مقالات عن باكثير->مقالات في الإنترنت
علي احمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر

عبــــد الرضا علي
صحيفة 26سبتمبر

لما كان منهج الدراسات النقدية يقتضي الوقوف علي ما يؤصله البحث الجاد والنقد الحصيف من نتائج سليمة ثم يذيعها بين الناس فان عرضنا النقدي لكتاب الدكتور عبد العزيز المقالح الموسوم بـ ( علي احمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر) الصادر عن دار الكلمة صنعاء 1995م سيستخلص اهم تلك النتائج ويستقرئ أهم افكار الناقد ويشير الى اهم تعليلاته التي انطلق منها الى الحكم او التقويم ومعنى هذا أن اراء المؤلف وافكاره ومنطلقاته النقدية هي المعول عليها ليس غير.

يقع هذا السفر في ثلاثة فصول تقدمها تمهيد وتلتها ملاحق مع تقديم سبق التمهيد، خصص الباحث الفصل الاول لباكثير وريادة التجديد الشعري في حين خصص الفصل الثاني لباكثير... روائياً اما الفصل الثالث فقد جعله لدراسة باكثير مسرحياً، بينما ضمت ملاحق الكتاب مجموعة من كتابات باكثير المنشورة في المجلات ولما تنشر في اي كتاب من كتبه المطبوعة.

وفيما يأتي اهم الملاحظات التي استخلصت من الكتاب :

1- في المقدمة والتمهيد عالج الدكتور المقالح قضيتي تسلق الابداع وحيرته والاحساس الحاد بالاهمال المتعمد من جانب النقاد. واذا كانت الاولى لصيقة بالمبدعين عامة في كل انحاء الارض حيث القلق والخوف والحيرة التي تلازمهم فان الثانية ظلت الصق بباكثير من غيره ولعلها ( كما يرى المؤلف ) كانت سبباً في نتاجه الغزير إذ يقول: (( وربما كان احساسه الحاد بالاضطهاد والاهمال وتأجج الانفعالات وراء ذلك الكم الهائل من الابداع كما كان الشعور الخفي بأوجاع الغربة والحنين دافعاً عميقاً لمواجهة الاحساس المفعم بالملل (1) )).

ويبدو ان باكثير قد جعل من ابداعه درعاً لحالات الاحباط التي قد تعتري المبدع في حالات خاصة لكنه ( يكتب لنفسه اولاً ولشعبه ولأمته ثانياً ولهذا يؤكد الدكتور المقالح على ان الكاتب الذي يضع نفسه طرفاً في استقبال ما يبدع لا بد ان يكون قد جعل من لغة الابداع الفني قوة تحرره من فيض الانفعالات المكبوت وتبعده عن السقوط في هاوية السام واجترار الشعور بالتعاسة والكدر الروحي (2)

اما تفسير الدكتور عبد العزيز لاهمال النقاد المتعمد لباكثير فيتلخص بالآتي ( كان النقد في مصر في عقدي الخمسينات والستينات نقداً ايديولوجياً يعكس الصراع الحاد بين مد اليسار وجزر اليمين ولما كان باكثير على خلاف مع اليسار ولا يثق باليمين ولا يرى في فكرة المتحجر التعبير الواعي عن روح العصر كانت النتيجة أن تجاهله التياران وضربا من حوله نطاقا من القمع الصامت (3))) وهو تفسير موضوعي دقيق قد لا نجده عند غيره بهذه الصراحة وبخاصة عند اولئك النقاد التوفيقيين الذين يخشون خسارة مادية زائفة فيخسرون الحقيقة الباقية.

2- في الفصل الاول المسمى باكثير وريادة التجديد الشعري يؤثر المقالح ثلاث مراحل شعرية من حياة باكثير عبرت عن ثلاثة مقومات جمالية، عكست ثقافة الشاعر وردود افعال الواقع الذي ترجمت عنه وهي :

اولاً : مرحلة البدايات.

ثانياً : مرحلة جامعة القاهرة.

ثالثاً : مرحلة انكسار التجديد.

واذا كانت الاولى لا تختلف عن بدايات غيره من الشعراء وكانت الثالثة نتيجة لواقع محبط عام فإن الثانية كانت بحق مرحلة ريادة التحديث للشعر العربي المعاصر، إذ تمكن باكثير من الاهتداء الى اسلوب جديد في كتابة القصيدة العربية المعاصرة وانقذها من تحجرها الهندسي الصارم وفتح آفاقها نحو فضاءات اخرى فكان لاكتشافه المثير أثره الكبير في تخطي حالات العقم وتحقيق التجاوز وقد تمثل ذلك الاكتشاف في جعل البيت يتألف من شطر واحد لا شطرين يختلف في عدد تفاعيله من شطر الى آخر على وفق المعنى المراد تأديته ووهج الحالة الشعرية، فكان ان ترجم روميو وجوليت نظماً على الاسلوب الجديد الذي اسماه بـ الشعر المنطلق ثم بـ «الشعر المنطلق» المرسل وبعد حين من الزمن اتبع الترجمة بتأليف مسرحية اخناتون ونفرتيتي على الاسلوب الجديد نفسه لكن هذه الريادة ظلت حبيسة العملين لافتقارهما الى التنظير الذي يروج للاكتشاف وهو ما انتبهت اليه نازك الملائكة بعدئذ في مقالاتها عن الشعر الجديد التي جمعتها في كتابها النقدي قضايا الشعر المعاصر وما فعله السياب بعد ذلك في تعليقاته التي نشرها سنة 1954م في مجلة الآداب وهو ينافس نازك الملائكة على الريادة لكنه اعترف ضمنياً بأسبقية محاولة باكثير قائلا: ( اذا تحرينا الواقع وجدنا ان علي احمد باكثير هو اول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية وليام شكسبير روميو وجوليت التي صدرت عام 1947م بعد ان ظلت تنتظر النشر عشر سنوات كما يقول المترجم ) (4).

ويبدو ان السياب نسي مسرحية اخناتون ونفرتيتي التي ظهرت للنور سنة 1940م في طبعتها الاولى أو أن لبساً أوقعه في ايراد سنة 1947م بكونه نظم قصيدة ( هل كان حباً ) في العام نفسة.

لكن الدكتور المقالح وهو يؤصل ريادة باكثير للشعر المعاصر لا يرى في الوعي النظري ما يجعله مقدماً على الوعي التطبيقي وهو راي له وجاهته لما فيه من فرضية مقنعة اذ يقول: (( ان قضية الشعر الجديد منذ البداية لم تكن قضية وعي نظري بقدر ما كانت قضية وعي تطبيقي جديد ومختلف لبنية شعرية جديدة..في الصيغة..جديدة في الاحساس بالمكان والزمان مع الحرص على التواصل بأهم عناصر الموروث الشعري وهو الوزن أو الايقاع )(5) ويستشهد باكثير من مقطع من روميو وجوليت لتبيين اختلاف الوزن وادائه في المسرحية سواء اكان ذلك على الرمل ام على الرجز ام على الكامل.

3- وفي الفصل الثاني الموسوم بـ باكثير روائياً يدرس الدكتور المقالح روايات باكثير الآتية : الثائر الاحمر وإسلاماه وسلامة القس وهي روايات تاريخية- اي انها تعتمد على الوقائع التاريخية في بنائها الفني.

لكنها وان كانت روايات تاريخية فان كل رواية تختلف عن الاخرى في القرب من جوهر التاريخ أو البعد عنه ( كما يقول الناقد ) ففي الثائر الاحمر يتوسل باكثير بالتاريخ او يستعين به لاجراء عملية اسقاط على الحاضر لا بغرض نقده حسب انما هي تعبير عن موقف نفسي وعقلي وثقافي ووليدة مفاهيم جدت في الحياة المعاصرة فكان لا بد من التعبير عنها في سياق اجتماعي وتاريخي معادل او مشابه ثم يشدد الدكتور المقالح قائلاً: ( والا فما القيمة التاريخية التي يتوخاها كاتب ليس مؤرخاً كاتب محسوب على التيار الاسلامي المستنير ما القيمة التاريخية التي يتوخاها من وراء الحديث عن القرامطة ان لم يكن الهدف اسقاط ذلك الحدث على واقعنا المعاصر الحافل بالتيارات المختلفة الهادفة- كما تدعي- الى تحرير الانسان من الاستغلال والعبودية )(6).

تقع رواية الثائر الاحمر في ست صور وحين قرأها المقالح ناقداً ابقى صورها الست وهي :

- الصورة الاولى : حمدان الفلاح.

- الصورة الثانية : حمدان العيار.

- الصورة الثالثة : حمدان الباحث عن نظرية.

- الصورة الرابعة : حمدان الثائر.

- الصورة الخامسة : حمدان الاشتراكي.

- الصورة السادسة : حمدان العيار عود على بدء.

اما في رواية وإسلاماه فان باكثير على وفق ما يراه المقالح يعتمد على (( دقائق تاريخية تصل في كثير من الاحيان الى درجة من الامانة والدقة لا يتوخاهما المؤرخون انفسهم في حين ان رواية سلامة ا لقس لا تعمد الى بعث التاريخ واحياء شخصياته الدينية او الفنية بقدر ما تسعى الى ابراز قيمة اخرى واسقاطها على العصر تلك هي قيمة التسامح الذي يسمو بغرائز الانسان ولا يقتلها او يلغيها والذي لا يضيق بالحب والفن انما يضيق كل الضيق بالحقد والكراهية بكل انواع الشرور والبغضاء )).

ثم يخصص الدكتور المقالح مبحثاً لدراسة الروايات دراسة فنية يسمسها تواضعاً بـ ( روايات باكثير قراءة فنية ) لكنه قبل ان يؤصل اهم الملامح الفنية لروايات باكثير يؤسس للرواية العربية ملامح ومنعطفات هي :

اولاً : منعطف التاسيس.

ثانياً : المنعطف الانتقالي.

ثالثاً : منعطف التجاوز والبحث عن هوية للرواية العربية.

وبعد ان يحلل الروايات في اطار مراحلها التي كتبت بها يقف عند آخر اعماله الروائية وهي سيرة شجاع فيجد في عناصرها الفنية الاتية :

أ- السرد.

ب- الحوار.

ت- في الوصف ـ ما يمكن تعميمه على بقية الروايات وهي عناصر تؤكد حضورها بفاعلية في أعمال باكثير دون ريب.

في السرد :

يرى المقالح ان الكاتب يقوم بدور الراوي وهذا ينقل شخصياته الروائية من كتب التاريخ و؟أحياناً يستعير ملامحها من تلك الكتب ولا تخلو رواية من شخصيات ثانوية يضيفها الكاتب من عنده شان كل كتاب الرواية التاريخية على الا تخرج بالاحداث عن الواقع ولا تخطئ في تفسيرها والفعل الماضي هو اهم افعال هذا النوع من الروايات وهو نفسة اهم الافعال المستخدمة في روايات باكثير والراوي الذي هو المؤلف لا يظهر الا في السرد ليربط بين الاحداث ويستكنه الملامح الاجتماعية والسياسية ويضع الاطار العام الذي يتحرك فيه الابطال.

وفي الحوار :

يرى المقالح ان تجربة باكثير في التوسع في الحوار تجعل اسلوبه يختلف عن بقية كتاب الرواية التاريخية وربما جاءته هذه الخصوصية من كونه اساساً كاتباً مسرحياً اداته الفنية الاولى ( الحوار ) لذلك يبدو هذا العنصر معه سهلاً ومتماسكاً ومرتباً.

اما في الوصف :

فيرى المقالح ان الوصف يصعد في روايات باكثير الى ذروة الشعر ويصل الوصف احياناً الى صفحات كاملة كما في روايته سيرة شجاع عندما يتناول ليلة من ليالي الفسطاط.

1- في الفصل الثالث الموسوم بـ باكثير مسرحياً مباحث عديدة لتأصيل القول في ادب باكثير المسرحي، ففي المبحث الاول درس الدكتور المقالح المسرح الشعري عند باكثير ووقف عند ترجمته لمسرحية روميو وجوليت وتأليفه لمسرحية اخناتون ونفرتيتي وكلتاهما منظومتان شعراً منطلقاً مرسلاً يقول عن هذا النظم :( قد يخضع للبحور والأوزان لكن يناصب البيتية العداء ويجعلها تهدم البناء المسرحي وتفكك وحدته وتناميه.

ثم يسترجع الناقد مع باكثير المؤثرات التي حملته الى عالم المسرح منتهياً الى اخفاق باكثير في محاولته الثانية، ان المسرح الحديث لا يستقيم مع الشعر منبها الى ان باكثير كان قد ابتدأ ابداعه المسرحي بمسرحيته الشعرية همام في عاصمة الاحقاف وهي اقرب ما تكون تقليداً لمسرحيات احمد شوقي الشعرية منها الى غيرها.

على أن الناقد وهو يقودنا الى ما انتهى اليه باكثير من رأي في المسرح الشعري لا يخفى تأييده لمضمونه- أي يقول لقد عانى باكثير من المسرحية الشعرية ومن البحث عن طريقة تلغي التعارض أو التضاد القائم بين الشعر والمسرح وقد تبدت له اثناء ذلك مشكلات جمة جعلته يعدل عن الشعر جملة وجعلته يرى ان النثر هو اللغةالطبيعية للمسرح وهو يحقق بذلك ريادة اخرى ويهدم اكبر وهم شعري في حياتنا الأدبية وهو ما يسمى المسرح الشعري ).

وفي المبحث الثاني يدرس المسرح النثري عند باكثير مشيرا الى انه لن يقف على جميع مسرحياته العشرين انما يكتفي بذكر نماذج من المسرح التاريخي واخرى من المسرح الحديث فضلا عن انه يشير الى عدم رغبته في الاقتراب من تلك المسرحيات التي فرضتها المناسبات كمسرحية الزعيم الأوحد وما جاء على شاكلتها.

في المسرحية التاريخية يدرس المقالح مسرحية الفرعون الموعود بعد ان يعرفنا على رأي باكثير في مسرحياته النثرية التي اشتقت حوادثها من واقع التاريخ القديم مؤكداً (( ان المهم في الاحداث التاريخية المستقاة او المستلهمة في الاعمال المسرحية ليس الاحداث ذاتها بل ما توحي به وما تخلقه الاذهان من رؤية جديدة لاحداث مماثلة في الواقع )).

ثم يقف عند مسرحية ( ابو دلامة ) مشيراً الى انها اقل المسرحيات التاريخية قدرة على تجاوز الماضي الى الحاضر مع ذلك المهرج المضحك المعروف للعامة قبل الخاصة، إذاً فالمسرحية تعني بمزج الرؤية المعنوية بين الحاضر والماضي.

ثم يحلل الناقد مسرحية باكثير جلفدان هانم الساخرة وهي مسرحية يراها تعكس شذوذ الواقع الأدبي الذي كان ينخر سراً في الحياة الأدبية في مصر. ويتمثل كما يقول :( في ظاهرة الأدباء الفقراء الذين لا يملكون غير الأدب في ظاهرة هواة الادب من الاغنياء الذين يملكون كل شئ الا الادب )).

بعد ذلك يخصص الدكتور المقالح مبحثاً آخر لدراسة القضية الفلسطينية في مسرح باكثير محللاً مفسراً مسرحية شايلوك الجديد ومسرحية شعب الله المختار فضلاً عن تخصيص مبحث آخر لمسرحية باكثير : امبراطورية في المزاد ) التي ترصد نهاية الامبراطورية البريطانية قبل سنوات من غروبها المحتوم.

اما التورة الضائعة فلعلها آخر عهد باكثير بالتأليف المسرحي الذي جعله وسيلة لخدمة أمته العربية في الوقوف بوجه الاستعمار والصهيونية العالمية.

ان الفصل الثالث وحده يحتاج الى وقفة متأنية ودراسة مستفيضة فالقيم التي طرحها باكثير وفلسفته التي تضمنتها مسرحياته ورؤيته المستقبلية لنهاية الصراع العربي- الصهيوني وتحليل الدكتور المقالح لمواقف الاشخاص والاحداث وتفسيره لرؤية المبدع وافكاره وموازنته بين المشاهد الواقعية والخيالية لا سيما في التوراة الضائعة امور ينبغي ألاّ تمر على عجالة.

ü الهوامش :

1- مقدمة ( علي احمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر ) ص 7.

2- ن،م،ص 7.

3- ن.م.ص 8.

4- بدر شاكر السياب ( تعليقات ) مجلة ( الاداب ) بيروت ع6، حزيران 1954م ص(69).

5- علي احمد باكثير، ص 47.

6- ن.م.ص82.

7- ن.م.ص82


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
5852858 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2022
افلام سكس عربي سكس مراهقات