مقالات عن باكثير->مقالات في الإنترنت
فلسطين في شعر باكثير
 
فلسطين في شعر باكثير

موقع مؤسسة فلسطين للثقافة

  بقلم :د. عبد الحكيم الزبيدي

حظيت قضية فلسطين ومأساتها بنصيب وافر من اهتمام الأديب الإسلامي الراحل: علي أحمد باكثير رحمه الله، وانعكس ذلك في كتاباته الأدبية والنثرية والشعرية، بل لقد كان باكثير كما قال عنه الأستاذ الشهيد: سيد قطب رحمه الله: أول من أرهص بمأساة فلسطين في مسرحه، وأنه أول من تناول قضية فلسطين في الأدب العربي المعاصر تنالا فيه من الصدق الفني بمقدار ما فيه من الحس السياسي والتيقظ القومي(1) [شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث. الجزء 9.].

ففي مجال النثر، كتب باكثير أربع مسرحيات عن قضية فلسطين، وهن: "شيلوك الجديد"، وكتبها عام 1944م وقد تنبأ فيها بقيام دولة (إسرائيل) ودع ا إلى وأدها في المهد، "شعب الله المختار" كتبها عام 1946م، تعرض فيها لخطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين، و "إله إسرائيل" حلل فيها الوجود اليهودي في المجتمع العربي عبر العصور، وأخيرا "التوراة الضائعة" كتبها عام 1969م تعرض فيها للصهيونية والنازية والحركة الفدائية الفلسطينية، وكانت آخر ما كتبه في حياته (1) [شعراء الدعوة الإسلامية في العصر الحديث. الجزء 9.]هذا ولباكثير مجموعة مسرحيات سياسية بعنوان "مسرح السياسة" عن القضية الفلسطينية.

أما في مجال الشعر، فبالرغم من أن باكثير قد توفى قبل أن يجمع شعره في ديوان، إلا أننا سنحاول أن نعرض لما بين أيدينا من شعره من خلال الكتب القليلة التي ألفت عنه، واهتمام باكثير بقضية فلسطين اهتمام مبكر، ففي قصيدة له بعنوان "فلسطين المجاهدة" نشرها في مجلة "الفتح" عام 1355هـ (1935م) يعرض لمأساة فلسطين ويستنفر العرب لنجدتها، مستثيرا فيهم الحمية والنخوة بذكر النساء وتفتيشهن(2) [علي أحمد باكثير، حياته، شعره الوطني والإسلامي، تأليف: د. أحمد عبد الله السومحي.]:

بني يعرب! ماذا دهاكم؟ أجيبوني

ألم تشهدوا أشلاءكم بفلسطين؟

تراق على الأرض الحرام دماؤكم

لإرضاء منبوذ الخلائق مأفون

كرامتكم فيها تداس وشبكم

يسام الرزايا باضطهاد أفانين

فقتل وتشريد وسجن ومغرم

وتفتيش أبكار الحرائر والعون

وبعد أن يصور المأساة في أبيات، يعود إلى تقريع العرب والأمة الإسلامية كلها على تقصيرهم وتخاذلهم:

ألا ليت شعري كيف تصبر يعرب

على حالة فيها المنية تعذب؟

وكيف بلاد الضاد تغفو جفونها

وجفن فلسطين دما يتصبب؟

وكيف يسيغ العُربُ برد شرابهم

(ومليون نفس منهم وثمَّ تُنكب؟

أيرضى بنو الإسلام مسرى رسولهم

لاهون من فوق البسيطة يوهب؟

وتظل قضية فلسطين شغل باكثير الشاغل في كل المنتديات والمحافل، ففي قصيدة يحيي بها الزعيم الأندنوسي (سوتومو) يذكره بقضية فلسطين(2) [علي أحمد باكثير، حياته، شعره الوطني والإسلامي، تأليف: د. أحمد عبد الله السومحي.]:

وفلسطين، هل أطيق مقالا

عن فلسطين أم أحير جوابا؟

كلماتي تموت بين لساني

ولهاتي تعثرا واضطرابا

إن فيها حرَّ دمٍ ينساب

فوق الأرض الحرام انسيابا

نزفته قحطان من قلبها الدامي

فخطت به كتابا عجابا

وفلسطين! آه ويح فلسطين

تعاني على العذاب عذابا

إن فيها أراملا ويتامى

لا طعاما يرونه لا شرابا

حصد الموت كاسبيهم شيوخا

وكهولا وفتيةً وشبابا

تركوهم لرحمة الله والإسلام

واستقبلوا الردى الصخابا

وموقف باكثير من قضية فلسطين هو الرفض لكل الحلول السلمية، وأن الجهاد، والسير على خطى خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، هو السبيل الوحيد لاستعادة المقدسات وطرد الغاصبين، وأن قضية فلسطين هي قضية المسلمين كلهم وليس العرب فقط. ففي قصيدة قالها على لسان أحد الشهداء الفلسطينيين، يقول باكثير(3) [شعراء اليمن المعاصرون. تأليف: هلال ناجي]:

فيم انتظاركمو والحق حقكمو

يُعدى عليه ليُعطى للملاعين!

لا تطلبوه احتكاما في مجامعهم

بل استردوه قسرا في الميادين

والمسلمون جميعا من ورائكمو

بأندنوسيا وباكستان والصين

فابن الوليد على اليرموك يرقبكم

وليث أيوب يرعاكم بحطين

وكان باكثير يرى أن الخطر اليهودي لا يهدد فلسطين فحسب، بل يهدد العالم العربي كله، لذلك كان يطالب العرب بالتنبه للخطر وسرعة التحرك وترك الكلام والخطب جانبا، فيقول في أرجوزة عن فلسطين(3) [شعراء اليمن المعاصرون. تأليف: هلال ناجي]:

كفى كفى قولا كفى كفى كفى

هذي بلاد يعرب على شفا

لا مصرنا تبقى ولا العراق

إن طار من يميننا البراقُ

لمن؟ لقوم هم نفايات الأمم

هم شرُّ مظلوم وشرُّ من ظلم

مطيّة الشيطان من قديم

من عهد اسحق وإبراهيم

ويلٌ لهم! يبغون بعد يثرب

ملكا لهم في قلب أرض يعرب!

أين إذاً محمدٌ؟ أين ذهب

إن ذلَّ لليهود بعده العرب؟

لا والذي به اليهود تجحد

لكلنا في قلبه محمدُ

#ولقد رفض باكثير الصلح مع اليهود رفضا لا هوادة فيه، رفض باكثير الصلح يوم كان مجرد التفوه بكلمة الصلح خيانة عظمى، وكأنما كان رحمه الله يعلم أنه سوف يأتي يوم يحدث فيه أقوام أنفسهم بالصلح والسلام. قال في قصيدة بعنوان (العضو الذي فسد) يخاطب قادة العرب، وكأنما كان رحمه الله ينظر من سجف الغيب(2،3):

يا قادة العرب لا تُخفو المصاب سدى

هيا ابتروا ذلك العضو الذي فسدا

القيحُ والدود فيه لا شفاء له

لا تتركوه يعلُّ الروح، والجسدا

هيا اقصعوه وألقوه علانية

في وجه صهيون رجسا خالدا أبدا

رجسا إلى رجسه لا فرق بينهما

لتطويهما نار الجحيم غدا

قد جاء في الفكر ملعونا أبو لهب

وكان في هاشم أعلى الرجال يدا

ولم يحن قومه والحرب دائرة

ولم يبع للعدى شعبا ولا بلدا

ويرى باكثير بعد ذلك أن أضعف وسائل الحرب هو مقاطعة العدو ومحاصرته وعدم مساعدته ومدّ يد العون له:

صحواً بني العرب من طولا لكرى فلقد

قام العدو على أبوابكم رصدا

فابقوا على أضعف الإيمان أن تقفوا

على الحمى دونه حتى يموت صدى

الموت مود به إن لم يجد سندا

منكم، ومود بكم إن أحرز السندا

الصلح للعُرب لحدٌ يقبرون به

وللعدى هو مهدٌ يكفل الولدا

إياكمو أن تزلوا زلةً عمما

فتفتحوا لهم الأبواب والسددا

إذا تبيدوا على أقدامهم ضعة

إذاً يعيشوا على أشلائنا رغدا

يرجو بها سببا عند العدى ورضى

لكي يجمع أموالا له لبدا

لا يتقي الله في دين ولا وطن

سيّان أن يكفل الأوطان أن يندا

#وتغلي دماء العروبة والإسلام في شرايين باكثير، وهو يرى تخاذل العرب ووقوفهم مكتوفي الأيدي أمام اليهود والدول الاستعمارية من خلفها، فيرسل زفراته في أبيات هي أشبه بالحمم البركانية منها بالأبيات(3) [شعراء اليمن المعاصرون. تأليف: هلال ناجي]:

أيها العُرب! أيها العُربُ! لا

أسمع غير صدى إلي يعودُ!

أين أنتم؟ لا درَّ درُّ أبيكم

أقصورْ تضمكم أم لحودُ؟

عربُ أنتم؟ كذبتم، كذبتم

إنما أنتمو يهودٌ يهودُ

كلا… بل همو أمثلُ منكم

هم أفاعِ تُخشى وأنتم دودُ

لعناتٌ من السماء عليكم

تمتريها صواعقُ ورعودُ

يا مسوخ الرجال يا سُبَّة الأجيال

موتوا على الهوان وبيدوا

اذهبوا للجحيم تطهر بلاد

الضاد منكم ويأت خلقٌ جديدُ

#وتأتي هزيمة يونيو 1967م، ويفيق الشعب العربي، وهنا يتجلى موقف باكثير الرائع والصلب إزاء هذا الحدث الجلل، فهو لم يصب بالإحباط كما أصيب الكثيرون غيره، ولم ينح ويندب كما فعل غيره، وإنما أرسلها صرخة مدوية، تلمَّس فيها أسباب الداء، وسبيل النجاة، ودعى إلى الصبر والجلد تأسيا بالسلف الصالح، كل ذل في قصيدته الرائعة "نكون أو لا نكون" التي كتبها غداة الهزيمة، هذا (وقد استقبلها الشعب العربي في مصر أروع استقبال، وقام بعض الفنانين بتلحين وغناء أجزاء منها، وكان تلفزيون القاهرة وإذاعة القاهرة يرددان القصيدة كاملة في أعقاب الهزيمة حفاظا على الروح المعنوية للشعب من التمزق وفي محاولة لتجديد روح التخاذل والشعور بمرارة الانكسار)(4) [ملامح رومانتيكية في شعر باكثير. د. عبد العزيز المقالح مجلة (المنتدى) عدد (9) رجب 1404هـ إبريل 1984م.]ولن نستطيع في هذه العجالة أن نعرض القصيدة كلها فهي طويلة، وإنما سنحاول أن نمر بها مرورا سريعا، بدأ باكثير قصيدته بعبارة موجزة ملخصا فيها قضية المعركة مع اليهود وأنها قضية حياة أو موت(2) [علي أحمد باكثير، حياته، شعره الوطني والإسلامي، تأليف: د. أحمد عبد الله السومحي.]:

أما نكون أبدا

أو لا نكون أبدا

غدا وما أدنى غدا لو تعلمون

إما نكون أبدا أو لا نكون

ثم بيّن باكثير سبب الهزيمة، وذلك أن الحرب ضد اليهود لم تكن نابعة عن عقيدة، وأن المعركة يجب أن تكون جهادا في سبيل الله، لا لسبب دنيوي:

 

أفي سبيل العيش نمضي للجهاد؟

كلا، بني قومي، فماذا بالسداد

والعيش لا يثبت للموت لدى الجلاد

لله في المبدأ والمعاد

بالله في القلب وفي الكف وفي الزناد

ننتزع الحياة من جوف الردى

حتى ننال النصر أو نستشهدا

إما نكون أبدا… أو لا نكون أبدا


ويدعو باكثير إلى الصبر على كل أنواع الأذى دون استسلام حتى ننال حقوقنا المغتصبة:

ليفعل اليهود ما شاء الحرد

ليضربونا بالعمد

وليشربوا من دمنا وليأكلوا من الكبد

فلن نقول غير ما قال بلال وهو بالرمضاء مخروب الجسد:

أحد أحد … أحد أحد

هيهات أن نخضع أو ترتعدا

إما نكون أبدا… أو لا نكون أبدا

ويرفض الشاعر الصلح رفضا باتا، مهما كانت وحشية اليهود:

لا صلح يا قومي وإن طال المدى

وإن أغار خصمنا وأنجدا

وإن بغى وإن طغى وإن عدى

وروَّع القدس وهدَّ المسجدا

وشرَّد الألوف من ديارهم وطردا

وذبح الأطفال والنساء والشيوخ ركعا وسجدا

يلتمس العدو صلحنا سدى

لا لن يكون سيدا

ولن نكون أعبدا

إما نكون أبدا… أو لا نكون أبدا

ويختتم قصيدته، بيقين المؤمن بنصر الله، متى التزم المسلمون بدينهم:

لا والذي يقول كن لما يشاء فيكون

لمثلما كنا قديما سنكون

ومثلما أرادنا كتابنا سوف نكون

ومثلما أرادنا محمدٌ سوف نكون

أعزّة مناضلون… وأقوياء عادلون

لا لن نذل أبدا ولن نهون

وإن تواطأ الطغاة أجمعون

فليسمعوا… هل يسمعون؟

وليشهدنَّ العالمون

إن علينا أن نكون… أعزة أو لا نكون

وبعد، فهذا غيض من فيض من بحر الأديب الإسلامي الراحل علي أحمد باكثير، فقد كان رحمه الله، بحق، أديبا إسلاميا صادقا مع ربه ومع نفسه ومع أمته.

 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
5853010 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2022
افلام سكس عربي سكس مراهقات