ظلال القضية الفلسطينية فى نص -أوزوريس- لعلى أحمد باكثير.
2013-06-12

ابراهيم حجاج
الحوار المتمدن-العدد: 4120 - 2013 / 6 / 11  

 

د ابراهيم حجاج قسم الدراسات المسرحية كلية الآداب جامعة الاسكندرية


أنطلق (على أحمد باكثير) فى نص "أوزوريس" من تأثره بالمناخ السياسى لعصره ومقولات حكام هذا العصر فقد جاءت عبارة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر فى تبنية للقضية الفلسطينية (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) هى المفجر و الشرارة التى صاغ منها (على أحمد باكثير) مسرحيته أوزوريس .
حيث نزل باكثير بالأسطورة المستلهمة ورموزها إلى أرض الواقع الذى نعايشه فعكس حلم الشعب بالمخلص فرداً أو جماعة من أجل مجتمع بلا مظالم وبلا قهر أو إستغلال .
وتروى الأسطورة الفرعونية أن أوزوريس كان ملكاً عادلاً محباً للخير يحكم مصر من مقره بالوجه البحري ،وقد علم شعبه الزراعه وحب الوطن ونشر العدل في فتره حكمه لذلك كسب حب الشعب له،ولقد اثار هذا الحب حقد اخوه ست عليه لذلك فكر في عمل موامره لقتله والتخلص منه،وكان أخوه ست يحسده ويريد عرش مصر فأعد وليمة كبيرة دعا إليها أخاه، وكان قد قدم تابوت مرصع بالذهب والجواهر وذكر ان هذا التابوت سوف يكون من حق من ياتي علي مقاسه،وكان هذا التابوت قد أعده ست على مقاس أوزوريس ،و بدأ الجميع في التناوب علي التابوت حتي جاء دور اوزوريس .وعندما استلقى فيه أوزوريس أغلق ست وأعوانه التابوت عليه ورموه في النيل فمات أوزوريس غرقاً. و سار التابوت مع تيار الماء حتى وصل إلى "فينيقيا"، فأخذه الحراس و وضعوه عند الملك ، حتى نمت فوقه شجرة و اختفى عن الأنظار
أما "إيزيس" فقد راحت تبحث عن زوجها بمساعدة "نفتيس" ،حتى علمت بمكان التابوت ،فذهبت إلى فينيقيا لتحضره،لكنها وجدت ابن الملك مريض فبقيت تعالجه حتى شفي؛و كان مكافأة الملك هي إرجاعها إلى مصر مع التابوت.
و عندما عادت إلى مصر، اختبأت في الدلتا و دعت الله أن يعيد لها زوجها، و استجاب الله لدعائها، فعاد "أوزوريس" للحياة من جديد؛و استلقت ايزيس عل التابوت وحملت من اوزوريس من خلال طقوس سحرية . و في ذلك الوقت علم "سِت" برجوع أخيه، فزاد غضبه، وذهب يبحث عنه حتى وجده و قام بقتله و تمزيق جسده إلى 14 قطعة –على عدد أقاليم مصر في ذلك الوقت- و وضع كل قطعة في إقليم.
هربت "إيزيس" و قامت بتجميع أجزاء زوجها من كل إقليم بمساعدة "نفتيس" و دعت الله من جديد ليعيد لها زوجها،و استجاب الله لدعائها ، لكن "أوزوريس" رفض العودة لهذا العالم الموحش و فضل أن يعيش في عالم الموتى....يحكمه و ينظمه .هربت "إيزيس" لتلد ابنها "حوريس" أو "حورس" و بمساعدة "الشعب" قامت بتربيته حتى أصبح شابا , يافعا , تهتز له الأبدان. تقدمت "إيزيس" و "حوريس" إلى محكمة الآلهة المعروفة باسم "تاسوع هليوبوليس" و التي يرأسها الإله "رع" إله الشمس؛ ليطالب "حوريس" بحقه المسلوب ، حقه في العرش.
استمرت المحاكمة 83 سنة كادت المحكمة ان تحكم لصلح ست لولا تدخل اوزوريس الى هام بروحه حول المحكمة وهددها بعقاب الألهة وبالتدخل الايجابى لاوزوريس حكمت المحكمة لصالح ست الذى استرد حقه المغتصب. وهكذا أصبح "حوريس" رمزا للخير و العدل أما "سِت" فأصبح إله للشر و الظلم.
لقد أفرغ باكثير الأسطورة من معناها الأصلى فلم تعد المسرحية انعكاسا ساذجا للصراع بين الشر والخير ليكتب الانتصار للأخير فى النهاية، ليضيف الكاتب معنى ورؤية جديدة تتفق مع مقولة الزعيم جمال عبد الناصر (ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) حيث تكمن نقطة الخلاف بين أوزوريس باكثير وأوزوريس الأسطورة الفرعونية فى أن الأخيرة لم تتحقق فيها العدالة وتسترد الحقوق المغتصبة بالحوار المقنع بل بالقوة من خلال التدخل العنيف لأوزوريس وتلويحه لمحكمة التاسوع بإستخدام القوة على عكس أوزوريس باكثير الذى يلعب دور الرجل السلبى الذى تميز بالطيبة الشديدة التى تصل الى حد السذاجة والتى معها تغتصب الحقوق وتنتشر المظالم ويسقط القضاء العادل فاوزوريس كان فى مقدوره أن يمنع ظلم أخيه (ست) منذ البداية لكن طيبته تدفعه إلى ترك أخيه يقوم بإعماله الشريرة .
يصور الكاتب الظلم الذى يقع على شعب مصر من جراء ضياع هيبة القانون وعدم أحترامه وقيام عصابة (ست) بتهديد القضاة بالقتل إذا ما حكموا على أحدهم بالأعدام وقيامهم بعمليات نصب وإحتيال و أغتصاب للفلاحين الذين لا حول لهم ولا قوة كما يصور أيضاً جوانب سلبية شخصية أوزوريس وطيبته المبالغ فيها كالاتى :
عدم حزم أوزوريس
لم يكن أوزوريس حازماً فى مواجهة أخيه ست فعندما عرضت علي أيزيس ثلاثة ممن وقعوا تحت ظلم ست وإتباعه الأولى خطفوا أبنتها و أغتصبوها و الثانى سرقوا ماشيته فقات عينه بعصا أحد هؤلاء المجرمين يضع الذنب على القضاة بدلاً من أن يحاسب أخيه .


ست : أنى أعلن أمام أخى الملك و أمامكم جميعاً براءتى فلينفذ حكم العدل .... أما هؤلاء
القضاة فهم بين أمرين اما أنهم جبنوا أو أرتشوا وفى الحالتين فهم لا يستحقوا أن يكونوا
قضاة الملك العادل أوزوريس .
أوزوريس : لقد صدق ست .

سلبية أوزوريس
يتمكن ست من وضع أوزوريس داخل تابوت ويحكم غلقه ويلقيه فى النيل وتستطيع أيزيس بعد جهد شاق أن تصل إليه وتعيده إلى الحياة يصلواتها ورقصتها الجنائزية الخاشعة فوق جثمانه .

أيزيس : لن يهنأ لنا طيب الوصال حتى ننتقم من هذا المغتال الأثيم .
أوزوريس : لوددت يا أيزيس لو عفوت عنه .....

و تنتهى سلية أوزوريس بتمزيس جسده وهو يطالب أيزيس بالتحلى بالصبر .

حورس وإسترداد عرش أبيه (تحقق مبدأ ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة) :
تربى أيزيس أبنها بعيداً عن عيون ست إستعداداً لاستعاة عرش أبيه فيتدرب حورس على القتال جيداً ويلعن الحرب على عمه ست وينتهى الأمر بهدنه بين الطرفين يلجأ فيها الطرفين لتحكيم القضاة ولما كان باكثير يقف بجوار منطق القوة كعامل حاسم فى تحقيق العدل فن صراعاً حدث فى المحكمة أثبت فيه حورس أنه قادر علىغلبه ست ، فغير ذلك موقف المحكمة وحكمت لحورس بحكم صر ، وعندما وجه حورس خطابه للقضاة عما إذا كان حكمهم نابعاً من خوف أم تحقيقاً للعدل أجابوا أنه لم يعد هناك خوف بعد أن أمنو شر ست و أن حكمهم له بملك مصر هو الحكم العادل.

حورس : يا معشر القضاة حذار أن يكون الخوف منى هو الذى أنطقكم بهذا الحكم .
رئيس القضاة : كلا يا بن أوزوريس لقد كنا من قبل خائفين فحكمنا بالظلم فلما أمنتنا من خوفنا
حكمنا بالعدل .




لم يستفد المؤلف من الأسطورة التى جعلت موقف أوزوريس الصلب من الألهه ودعوته لأنصاف حورس سبباً فى أنهاء المحاكمة لصالحه ، ليستفيد من التناقض بين فكرة تحقيق العدالة باللين و الحكمة والطيبة التى تصل لدرجة السلبية والتى يمثلها أوزوريس و فكرة تحقيق العدالة واسترداد الحقوق المغتصبة بالقوة والتى يمثلها حورس ليكتب الأنتصار للأخيرة متفقاً مع مبادئ الأسلام التى نادت بالثورة من أجل تحقيق العدالة. وهى الفكرة الأساسية فى المسرحية.
كما تضمن النص بعض الأفكار الفرعية مثل:
-(ضرورة استقلال القضاء وعدم ممارسة أي ضغوط عليه من شأنها التأثير على احكامه وميل ميزان العدل) الظلم نتيجة حتمية لضياع هيبة القانون ووقوع القضاء تحت سطوة التهديد.
-سلبية الحاكم وضعفه قد تكون سببا فى ضياع ملكه
-فساد حاشية الحاكم وغفلة الحاكم عن تجاوزاتها عامل من عوامل تفشى القهر والفساد

ينتمى البناء الدرامى للنص للبناء الأرسطى التقليدى (بداية – وسط نهاية) وقد وظف الكاتب البداية للتعريف بالشخصيات من خلال الخادمتين فى القصر الأخضر (قصر اوزوريس) فنتعرف على اوزوريس الملك الخير وتفانيه فى خدمة شعبه وعلى الجانب الآخر بين ست فى صورة الشرير الذى يعطى الغطاء لأتباعه (من خلال ذيوع إشاعة توليه الحكم فى غياب اوزوريس) فيعثوا فى الأرض فسادا)
وجاءت الذروة بنجاح ست فى التخلص من اوزوريس ووضعه فى التابوت لتنقلب بعدها الأحداث رأسا على عقب ثم تأتى النهاية بنجاح حورس فى استرداد حقه المغتصب بالقوة.

أما على مستوى بنية المكان والزمان فلم يلتزم الكاتب بوحدتى المكان والزمان حيث جرت أحداث المسرحية بين القصر الأخضر (قصر أوزوريس) والقصر اأحمر (قصر ست) ولك ان تتخيل الاحالة الرمزية للألوان فلأخضر هو لون الزرع والحياة والخصب والنماء الأحمر يحيلنا للدموية والعنف.
كما تنوعت اماكن اأحداث ما بين احراش الدلتا وقصر الحاكم فى جبيل حيث وجدت ايزيس التابوت.
أما الزمان فقد تمت أحداث المسرحية فى غضون بضعة سنين وهى الفترة التى أصبح فيها حورس فتى يافعا قويا قادرا على استرداد حقه المغتصب.
هناك تماثل بنيوى بين بنية الحدث المسرحى للنص والبنية الاجتماعية الممثلة فى القضية الفلسطينية فالحدث يحيلنا الى اغتصاب اليهود لحق الفلسطينيين وخنوع العرب وسلبيتهم التى أدت الى ضياع القضية وتحيلنا الى مقولة الزعيم جمال عبد الناصر (ماأخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة)، وهو ما يتم تأكيده فى النص من خلال تقسيم محكمة التاسوع مملكة مصر بين ست المغتصب وحورس الوريث الشرعى للعرش وهو ما يحيلنا الى مشروع تقسيم مجلس الأمن الدولى لفلسطين بين اليهود المغتصبين والفلسطينيين اصحاب الأرض الحقيقيين (مشروع التقسيم بقرار 181 لسنة 1947) كما يحيلنا رفض رفض ست المغتصب لحكم المحكمة بالتقسيم ولرغبته فى تملك مصر كلها الى رفض بيجين وشامير وهم من المعارضين لفكرة التقسيم سنة 1947 ورغبتهم فى ان تصبح فلسطيم ملكا خالصا لهم كبداية لتحقيق لفكرة أرض الميعاد.
وعلى صعيد التحليل الداخلى للنص يمكن الوقوف على بعض الأحداث التى اعتمد فيها الكاتب على معرفة المتلقى السابقة بقصة الأسطورة وطبيعة شخصياتها مثل :
- ممارسة "ايزيس" لطقوس سحرية لشفاء ابن الحاكم فى مدينة جبيل (حيث يوجد التابوت الذى يحوى جثة زوجها
- أغفل الكاتب مشهد حمل ايزيس من اوزوريس والذى تم فى الأسطورة باستلقاء ايزيس على جثمان اوزوريس فى التابوت بعد ان استعادته من مدينة جبيل وقد تم هذا الحمل فى الأسطورة من خلال طقوس سحرية ايضا وهو ما لم يتم توضيحه فى النص.

كما اعتمد الكاتب فى رسم شخصياته على ثنائية متضادة (السلبية والطيبة المفرطة والسذاجة التى يمثلها اوزوريس – والقوة الايجابية التى يمثلها حورس) وتقف الشخصيتان أمام ممارسات شريرة تمثلها الشخصية المحورية فى المسرحية "ست" ويكتب الانتصار فى النهاية للقوة التى لا غنى للعدالة عنها وبهذا ينتصر الكاتب لفكرته من خلال شخصياته. ويمكن اعتبار اوزوريس شخصية تراجيدية فعلاوة على انه شخصية عظامية نبيلة فهو يحمل سقطته التراجيدية التى أودت به ‘إلى مصيره البائس وهى الطيبة المفرطة والسذاجة واللامبالاة والسلبية فى معاجة الأمور.

وبدا الصراع جليا فى النص من خلال تطور وتغير اطرافه على طول الأحداث فبدأ الصراع فى البداية بين ست وايزيس التى حاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تتصدى لشر ست وتقنع زوجها اوزوريس بظلمه وعدوانه وجبروته ،ولكن سرعان ما انتهى هذا الصراع لصالح ست بسبب سلبية اوزوريس وعدم استجابته لنصائح زوجته وتحذيراتها .
وبموت اوزوريس وانجاب ايزيس لحورس وتربيته تربية عسكرية وتعليمه فنون الحرب والقتال نشب صراع جديد بين ست وحورس انتصر فيه الأخير الذى آمن ان الحقوق المغتصبة لا تسترد الا بالقوة، ومصداقا لقوله تعالى( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون ) صدق الله العظيم.                                    

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774784 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017