علي أحمد باكثير .. و فلسطين
2011-04-15
علي أحمد باكثير .. و فلسطين
كتب: السيد الشامي
14 ابريل, 2011 - 11 جمادى الأولى 1432هـ

القيمة الحقيقية لإنتاج باكثير تتمثل في مجموعة "الريادات" التي سبق بها، وفي "الفكر" الذي عبَّر عنه في قوالب فنية جديدة. ففي الشعر سيبقى علي أحمد باكثير رائدًا للشعر الحر، وفي الرواية سيبقى هو صاحب الطرح الفني الذي يستشرف المستقبل من خلال الماضي، فهو رائد الرواية التاريخية الإسلامية بلا منازع

النشأة و التكوين

ولد علي أحمد باكثير في مدينة (سوروبايا) بإندونيسيا عام 1328ه/ (1910م)، وحين بلغ العاشرة من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت لينشأ هناك مع إخوته لأبيه نشأة عربية إسلامية، فوصل مدينة (سيئون) بحضرموت في 1338ه/ (1920م)، وهناك تلقى علوم العربية والعلوم الدينية. وقد زار باكثير والدته في إندونيسيا ومكث قرابة العام بين مارس 1927 وإبريل 1928م وعاد إلى حضرموت، ثم لم يزرها بعد ذلك. ولكنه كان على اتصال بأشقائه في إندونيسيا وزاره بعضهم في مصر، مثل شقيقه حسن الذي مكث في مصر ودرس في جامعتها.

وقد كتب باكثير عن إندونيسيا مسرحية (عودة الفردوس) التي صور فيها كفاح الإندونيسيين ضد الاستعمار الهولندي والياباني، وترجم في نهايتها النشيد القومي الإندونيسي إلى العربية شعرًا، تحت عنوان: نشيد إندونيسيا الكبرى، وكتب في الهامش: هو النشيد القومي في إندونيسيا.

وصل باكثير إلى حضرموت بمعية والده وهو في العاشرة من عمره عام 1338ه/ (1920م) وأقام مع إخوته لأبيه، وتلقى علوم العربية على يد عمه الشيخ محمد بن محمد باكثير، كما تلقى علوم الفقه والحديث والتفسير والقرآن، وحفظ المتون والشروح، وبدأ نظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره. ومكث باكثير في حضرموت حتى عام 1931م، حيث غادرها إثر وفاة زوجته الشابة بعد سنوات قليلة من زواجهما. وتنقل باكثير بين عدن والحبشة والصومال والحجاز حتى استقر به المقام في مصر.

زار باكثير حضرموت عام 1968م قبيل وفاته بعام واحد ومكث بها قرابة شهر، وعاد محملاً بأفكار أعمال أدبية جديدة، وشرع في كتابة مسرحية شعرية بعنوان (عاشق من حضرموت) من وحي أسطورة الشاعر الشعبي ابن زامل، ولكن الوفاة أدركته قبل أن يتمها

قدم باكثير مصر عام( 1352هـ/ 1934م) قادمًا من الحجاز، والتحق بقسم اللغة الإنجليزية في جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًّا) عام 1945م، وتخرج عام 1949م، ثم التحق بكلية التربية لمدة عام وتخرج عام 1950م. عمل باكثير بالتدريس عشرة أعوام في المنصورة (مدرسة الرشاد الثانوية)، ثم انتقل إلى القاهرة وعمل بالتدريس خمسة أعوام أخرى.
ثم نقل إلى مصلحة الفنون بوزارة الثقافة والإرشاد القومي وقت تأسيسها، وعمل فيها مع الكاتب نجيب محفوظ وكان رئيسهما في العمل الكاتب يحيى حقي.
تزوج باكثير في مصر عام 1943م وحصل على الجنسية المصرية عام 1951م.
وعاش باكثير في مصر حتى وفاته في غرة رمضان 1389هـ (10 نوفمبر 1969م).

أحب باكثير مصر وكتب عنها وله العديد من الروايات والمسرحيات والقصائد الشعريةوكانت أغلى أمانيه أن يُتوفَّى ويدفن في مصر، كما عبَّر عن ذلك في أنشودته الرائعة التي كتبها في حب مصر قبيل وفاته.

 

حياته قبل هجرته إلى مصر

 

عاد علي أحمد باكثير إلى وطنه الأصلي صبيًّا صغيرًا فعاش في غربة أخرى بعيدًا عن أمه وأبيه، ثم تحولت هذه الغربة إلى اغتراب في الوطن حين شبّ عن الطوق وتفتح عقله على أفكار رياح الإصلاح التي هبت على العالم الإسلامي بقيادة المصلحين الإسلاميين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده من خلال قراءاته واتصاله بتلميذيهما محمد رشيد رضا ومحب الدين الخطيب، فلما حاول فتح نافذة لنسمات من هذه الرياح في وطنه، حاربه من أسماهم بالجامدين، ووضعوا في طريقه الأشواك. وهكذا وجد أديبنا وشاعرنا نفسه منذ باكر صباه في حضرموت يطمح لخدمة أمته من خلال فكره وقلمه، ووجد أن حضرموت بل اليمن كلها لا تتسع لطموحاته، ولن تمكنه من إيصال صوته إلى كل مكان في العالم العربي والإسلامي

واستقر باكثير في القاهرة محققًا حلمه الذي تمناه بعد أن ضاقت به الحال في حضرموت، ولم يستطع الذهاب إلى إندونيسيا (جاوا) "حيث المقام بها يطيب" لوجود والدته بها، ولم تقدر له العودة لرؤيتها فظل بعيدًا عنها منذ فارقها صبيًّا صغيرًا حتى وفاتها سنة 1953م.

وهكذا قدر لعلي أحمد باكثير الذي ولد في إندونيسيا وأرسل إلى وطنه حضرموت صغيرًا أن يعيش حياته بين مراحل الانكسار في تاريخ الأمة العربية والإسلامية.. وهو رغم حداثة سنه؛ إذ كان في السادسة عشرة من العمر في حضرموت سنة 1926م فإنه أحس بمعنى الإلغاء للخلافة الإسلامية في تركيا في ذلك العام، حيث وجدت بين أوراق صباه ما يؤكد أن هذا الحدث قد سبَّب له جرحًا عميق الغور في نفسه. ولا غرو أن يتأثر أديبنا وشاعرنا بهذا الحدث فقد تشكل وعيه الفكري ووجدانه الأدبي في سن مبكرة، وبدأ بنظم الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره

.اسلاميات باكثير

ما بين تاريخ سقوط الخلافة وسقوط فلسطين سنة 1948م في أيدي اليهود، كان معظم نتاجه الفكري والأدبي يصب في بحر الدعوة لاجتماع شمل الأمة من جديد، والتحذير من مكائد الأعداء عليها، والتبشير بظهور قيادة ربانية تتجسد فيها طموحات العرب والمسلمين أجمعين، ثم كان الجرح الأخير قبيل وفاته متمثلاً في هزيمة 1967م المنكرة.

تأثر "علي أحمد باكثير" بالأدب العربي القديم والحديث، وكانت الثقافة العربية متأصلة في نفسه، فعكف على دراسة التاريخ وخاصة التاريخ الإسلامي وقد استوحى فيه أكثر أعماله الروائية

الإسلامية، منها:

"سلامة والقس"، و"الثائر الأحمر"، و"واإسلاماه"،... وغيرها، كما أن معظم رواياته ومسرحياته قد اتسمت بالطابع الملتزم بأخلاق الإسلام ومبادئه السامية والتي عبّر عنها "باكثير" أجمل وأفضل ما يكون.

ونجح في أن يبرز لنا من المبادئ والأصول الإسلامية ما يحفظ على المجتمع سلامته وأمنه وسعادته، ويقيه شر الأخطار وينأى به عن الصراع الطبقي المدمر.

ويتضح أن "باكثير" وإن كان قد استهدف من هذا الإطار القصصي التاريخي غرضًا سياسيًّا، حاول فيه التوصل إلى إثبات صلاحية الدين الإسلامي لحكم المجتمع وإسعاده ورفاهيته، وربت العدالة الاجتماعية بين ربوعه، فإنه في الوقت نفسه حرص على إبراز ما ينطوي عليه كلا النظامين الرأسمالي والشيوعي من عيوب ونقائص.

 

قضية فلسطين

وشغلت فلسطين باكثير كما لم تشغله أية قضية مثلها، وأحس بالخطر القادم قبل أن يتفجر فكتب سنة 1945 مسرحيته الشهيرة "شيلوك الجديد" التي استعار شكلها الخارجي من مسرحية شكسبير "تاجر البندقية" وصب فيها مضمونًا جديدًا. ففي هذه المسرحية استقرأ باكثير الواقع في فلسطين وصور تعاون الصهيونية والاستعمار الإنجليزي معًا في التمهيد لقيام الكيان الصهيوني، وتوقع باكثير قيام دولة إسرائيل قبل قيامها الفعلي بثلاث سنوات.

وفي سنة 1946م يصدر باكثير مسرحية "عودة الفردوس" يصور فيها كفاح إندونيسيا المسلمة -وطن مولده- ضد الاستعمار الهولندي وحتى أسطورة أوديب الإغريقية التي كان من المتوقع أن تكون صياغتها الجديدة أبعد ما تكون عن القضايا السياسية فقد ربطتها صياغة باكثير التي صدرت سنة 1949 بعنوان "مأساة أوديب".

 

 

الانجاز الفكرى و الادبى

حقق باكثير وجودًا متميزًا في كل إبداع بعد وصوله مصر. وبعيدًا عن العروض المسرحية والسينمائية لأعماله، فإن القيمة الحقيقية لإنتاج باكثير تتمثل في مجموعة "الريادات" التي سبق بها، وفي "الفكر" الذي عبَّر عنه في قوالب فنية جديدة. ففي الشعر سيبقى علي أحمد باكثير رائدًا للشعر الحر، وفي الرواية سيبقى هو صاحب الطرح الفني الذي يستشرف المستقبل من خلال الماضي، فهو رائد الرواية التاريخية الإسلامية بلا منازع، ولو لم يكتب إلا روايتي "واإسلاماه" التي صوَّر فيها لوحة رائعة من صور الجهاد والانبعاث في حياة أمتنا و"الثائر الأحمر" التي حذر فيها من المد الشيوعي الذي تحقق في عالمنا العربي فيما بعد، وصوَّر فيها قصة الصراع بين الشيوعية والرأسمالية والعدالة الإسلامية من خلال تجربة الحركة القرمطية المعروفة في التاريخ الإسلامي، وشخصية حمدان قرمط الشهيرة.

لو لم يكتب باكثير إلا هاتين الروايتين لكفتاه خلودًا في سجل الرواية العربية التاريخية فنيًّا وفكريًّا. وفي الوقت نفسه نجد باكثير يقف عملاقًا في مجال التأليف المسرحي الذي خصص له جلّ إنتاجه فهو الثاني بعد توفيق الحكيم من حيث غزارة الإنتاج، لكنه يبقى الأول من حيث تصدر القضايا التي ترتبط بهموم الأمة وتشغل الناس. فباكثير بإجماع النقاد من محبيه ومبغضيه -رائد الكوميديا السياسية الهادفة في المسرح العربي، وهو القلم الذي ارتبط مسرحه بالقضايا الوطنية والقومية والإسلامية، فقد جعلت منه أعماله الثائرة في الأربعينيات من القرن الماضي العدو الأول -دون كل أدباء جيله- للاستعمار والصهيونية قبل أن يخرج الاستعمار من الأوطان العربية، وقبل أن تقيم الصهيونية دولتها في فلسطين.

 باكثير محاصرًا

كان الموسم المسرحي 56- 1957م آخر موسم يعرض فيه المسرح القومي مسرحية من مسرحيات باكثير الكبرى، وهي مسرحية "مسمار جحا" التي ظلت تعرض على مدى ثلاثة مواسم مسرحية بنجاح منقطع النظير، وبإسدال الستار على آخر عرض للمسرحية في ذلك الموسم أسدل الستار على أعمال باكثير في "المسرح القومي" لأسباب فكرية عقائديةوهكذا حجبت مسرحيات باكثير عن الجماهير وهو في عنفوان ازدهاره وقمة مجده، ومع ذلك فقد كتب باكثير في مرحلة الحصار هذه من سنة 1958م حتى وفاته سنة 1969م عددًا كبيرًا من المسرحيات، منها اثنتا عشرة مسرحية نشرت في حياته من بينها عمله الدرامي الضخم "ملحمة عمر" في تسعة عشر جزءًا.

وفي العاشر من نوفمبر 1969م، جاءه الموت نوبة قلبية على غير ميعاد فكان ذلك اختيار الله له؛ لينقله إلى عالم أفضل وأعظم وأجل من لندن والقاهرة، عالم الخلد والشهادة.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3784184 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017