المحرِّكات الفكرية في رواية (ليلة النهر) لعلي أحمد باكثير
2010-10-17

المحرِّكات الفكرية في رواية (ليلة النهر) لعلي أحمد باكثير
مجلة الرواية


  د. غسان اسماعيل عبد الخالق/ الأردن

(بمناسبة مرور مئة عام على ميلاد علي أحمد باكثير)

 المكتب الدائم للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب

مقدّمة 

إذا كان هناك من يسند ريادة الشعر العربي المرسل لعلي أحمد باكثير(1)، فإن ثمة امكانية كبيرة لتنصيبه رائداً لما يمكن تسميته (الرواية الفكرية)، استنادا إلى قراءة معمّقة في روايته (ليلة النهر) التي اشتملت على العديد من المحرّكات الفكرية والنقدية الفاعلة مثل: الحكاية الأسطورية، مدرسة فرويد في التحليل النفسي، نظرية كوليردج بخصوص الوهم والخيال في الشعر.

          والحق أن أيّما قارىء متعمق في (ليلة النهر) التي كتبت وأصدرت في مستهل العقد الرابع من القرن العشرين، لا يملك إلا أن يشعر بدهشة كبيرة لسببين رئيسين: أما الأول فيتمثل في اتجاه علي أحمد باكثير لحشد كل هذه المحركات الفكرية معا في رواية واحدة، وأما الثاني فيتمثل في اتجاه علي أحمد باكثير لتفعيل هذه المحركات الفكرية من خلال رواية تتمحور حول حياة فنان معاصر لا تخلو سيرته من احتكاكات مباشرة مع حياة الليل واللهو والمجون، كما لا تخلو تجربته العاطفية من لقاءات غرامية يمكن أن تتعارض مع الوجهة الأخلاقية والدينية والتاريخية المحافظة التي ألزم باكثير نفسه بها في كل ما كتب، إلى الحد الذي جعله – كما يقول ناشر كتبه سعيد جودة السحّار في تذييل الرواية - ( هدفاً لحملات ظالمة أحيانا، ولإهمال متعمد أحيانا أخرى، من بعض من كانوا يتحكمون في النقد في الصحف والمجلات في تلك الأيام، أيام غياب الحرية، وتحكم الماركسيين في أقدار الكتّاب، فقد وجهت [إليه] تهمة أنه " يؤمن بالغيبيات" وأنه "غير تقدمي" كأنما الايمان بالله والتمسك بالقيم الروحية يحطان من قدر الكاتب ويزريان بأدبه)!(2) فما هي قصة (ليلة النهر)؟

 

ملخَّص(ليلة النهر)

          تتلخص قصة (ليلة النهر) في أن فؤاد حلمي يفقد أباه وهو لما يزل طفلاً صغيراً، فيرعاه وأمه خاله الشيخ عبد الله البرقاوي، ويسكنهما بيتا متواضعا في حي المنيل، حيث يتعرف إلى إحسان ضياء الدين التي فقدت أباها أيضا وسكنت مع أمها في بيت خالها محمود ضياء الدين، وتلوح مخايل النبوغ الدراسي والغنائي على فؤاد منذ الصغر ومعها مخايل الحب المتبادل بينه وبين إحسان، في ظل والدتيهما اللتين تباركان هذا الحب وتخططان لتتويجه بالزاوج، لولا أن خال إحسان ينقل إلى الصعيد فتنتقل هي وأمها معه، فيما يتابع فؤاد مسيرته الدراسية والغنائية الظافرة حتى يتعرف إلى مراد سعيد، الموسيقار والمثقف الكبير والمجرّب، فيتعهده بالتدريب والتثقيف إلى الحد الذي يفقد معه اهتمامه بالدراسة ويتعثر فيها، فيغضب خاله وتحزن أمه، ويهيم فؤاد على وجهه في إحدى الليالي فيلمّ بناد ليلي يعج بالسكارى والمعربدين المعجبين براقصة شابة تشبه حبيبته إحسان، و يتوهم أنها هي ويخوض لأجلها عراكا، ثم يترصد حركاتها حتى تضطر لجرّه إلى المخفر فيتبين له أنها ليست حبيبته إحسان التي لا تلبث أن تعود مع أمها وخالها، فتعود بعودتها قصة الحب القديم وتتطور إلى ما يشبه الخطبة، لولا أن بطالة فؤاد تقف حائلا دون اتمام هذا الارتباط، فيضطر أستاذه ومعلمه مراد سعيد للتكفير عن خطيئته بأن يوظفه مترجما في صحيفة مسائية. ومع ذلك فإن علاقته التي حفلت في هذه الأثناء بالعديد من اللقاءات الغرامية الملتهبة تتحطم فجأة على صخرة تمسك خال إحسان بتزويجها لأحد أبناء الباشوات، لتأخذ هذه العلاقة بعد ذلك وجهة درامية متصاعدة حتى النهاية.

لقد اشتملت لقاءات الحبيبين على ظاهرة غريبة أثارت خوف فؤاد وارتعاده، إذ ما أن حاول أن يصدح بأول أغانيه وهو يجلس قبالة حبيبته في القارب النيلي، حتى طرق سمعه صوت شاعر وهو يتلو قصيدة كأنها قدّت على اللحن قدّا، وقد تكرر سماعه لهذا الهاتف القادم من البيت المهجور الذي طالما مرّ به مسرعا خشية أن يتعثر بالطَّيف الذي يسكنه كما سمع الناس يقولون ويرددون، حتى اضطر لإخبار أستاذه ولإخبار حبيبته التي سرعان ما خطبت لغيره وفارقته إلى بيت زوجها، فوجد نفسه مطالبا بإثبات ذاته فنيا، وانطلق في عالم الشعر والتلحين والغناء، حتى أصبح فنانا كبيرا وشاعرا شهيرا، لكنه مع ذلك معذّب بطيف الشاعر الذي انفلت من عقال قبره بعد مئات السنين كي يخفف بقول الشعر ما يرزح فوق صدره من هموم جرّاء إقدام حبيبته على الزواج من غيره، وهو معذّب أيضا بطيف إحسان التي بدا أنها فارقته إلى الأبد. وقريبا مما شاهدناه يحدث في الأفلام السينمائية الغنائية المصرية التي اضطلع بدور البطولة فيها فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وآخرون، يتدهور زواج إحسان بابن الباشا جراء إقدام الأخير على قتل الراقصة التي تشبه إحسان، ويقضي فؤاد نحبه جرّاء إصابته بالتهاب رئوي حاد في اليوم نفسه الذي كانت فيه إحسان على أهبة الذهاب إلى دار الأوبرا كي تستمع إلى رائعته التي حققت نجاحا كبيرا، وتسقط إحسان صريعة انهيار عصبي حاد سرعان ما يدفع بها إلى البيت المهجور لتلتقي بأسماء حبيبة الطَّيف الشاعر التي خرجت من قبرها بحثا عن المغفرة، ثم تلتقيان بطيفي الاثنين: الشاعر والمغني، فيعفوان عنهما.. لكن إحسان تطمح فوق ذلك إلى أن تحتضن حبيبها فؤاد، فيؤكد لها صعوبة ذلك.. فتصرخ وتصرخ حتى تستيقظ وتجد نفسها في المصحة العقلية!!

 

المحرك الأول: الطيف الهاتف

          تمثل أسطورة الطّيف الهاتف المحرّك الأول في (ليلة النهر) وهي أسطورة تمور بها قصص العشاق في الموروث السردي العربي، بصياغات وألفاظ وتفاصيل متعددة ومتباينة. وسوف أكتفي بإيراد صيغتين لهذه الأسطورة – على سبيل المثال لا الحصر- إظهارا لمدى إفادة علي أحمد باكثير من الموروث السردي الأسطوري العربي(3) وتأكيدا لقدرته على تمويه هذه الإفادة.

          *(حدّث أبو حمزة الكناني فقال: كان فتى من بني عذرة، وكانت له امرأة منهم، وكان شديد الحب لها، وكانت له مثل ذلك. فبينما هو ذات يوم ينظر وجهها إذ بكى، فنظرت إلى وجهه وبكت.

قالت: ما الذي أبكاك؟

قال: بالله، أتصدقينني إن صدقتك؟

قالت: نعم

قال لها: ذكرت حسنك وجمالك وشدة حبي، فقلت: "أموت فتتزوج زوجا غيري"!

فقالت: بالله.. بالله.. إن ذلك الذي أبكاك؟

فقال: نعم

قالت: وأنا ذكرت حسنك وجمالك وشدة حبي لك فقلت: "أموت فيتزوج امرأة غيري"!

قال: فإن النساء حرام عليّ بعدك.

قالت: فإن الرجال حرام عليّ بعدك.

          فلبثا ما شاء الله، ثم إن الرجل توفي. فجزعت المرأة عليه جزعا شديدا. فخاف أهلها على عقلها أن يذهل، فأجمعوا رأيهم على أن يزوجوها- وهي كارهة- لعلها تتسلى عنه. فلما كانت الليلة التي تهدى فيها إلى بيت زوجها- وقد نام أهل البيت والماشطة تهيء شعرها – نامت نومة يسيرة، فرأت زوجها المتوفى داخلا عليها الباب، وهو يقول: "خنت يا فلانة عهدي، والله لا هنيت العيش بعدي"! فانتبهت مرعوبة وخرجت هاربة على وجهها، وطلبها أهلها فلم يقعوا لها على خبر).

       *(حدث جبلة بن الأسود فقال: خرجت في طلب إبل لي ضلّت، فسرت أطوف وأطلب الجادة فلا أجدها، فبينما أنا كذلك إذ سمعت صوتا حسنا بعيدا وبكاء شديدا فشجاني، وما زلت أقرب إليه حتى هبطت واديا فإذا راع قد ضم غنماً له إلى شجرة وهو ينشد ويترنم:

وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها                     أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ودّ جليسهـا                     إذا ما انقـضت  أحدوثة لو تعـيدها

فدنوت منه فقال: من الرجل؟ فقلت: منقطع يستجير بك، فنزع شملته وبسطها تحتي ثم أتاني بتمر وزبد ولبن وخبز ومال إلى فرسي فربطه وسقاه وعلفه. فلما أكلت توضأت وصليت واتكأت، وإني لبين النائم واليقظان إذ سمعته يحدّث امرأة حتى الصبح ثم ودَّعته وسارت، فلما كانت الليلة التالية أبطأت عليه فقلق وبكى وقال: هل رأيت الجارية التي كانت تتعهدني بالأمس؟ فقلت: لقد رأيتها، فقال: تلك ابنة عمي وأعز الناس علي وإني لها محب وعاشق وهي أيضا محبة وعاشقة لي، وقد منعني أبوها من تزويجها لي لفقري وفاقتي فصرت راعيا بسببها ثم أنشأ يقول:

ما بال ميـــة ؟ لا تأتي كعادتهــــا                    أعاقها طرب أم صدّهـا شُغُلُ

نفسـي فـداؤك، قـد أحللـت بي سقمـا                    تكاد من حرّه الأعضاء تنفصل

ثم انطلق وغاب عني ساعة وأتى بشيء فطرحه بين يدي فإذا هي الجارية قد قتلها الأسد وشوّه خلقتها ثم قال: إني أعلم أن المنية قد حضرت لا محالة، فإذا مت فخذ عباءتي فكفِّني بها وضم ما تبقى من جسد ابنة عمي معي وادفنّا في قبر واحد، فغسّلته وكفّنته في عباءته وصلّيت عليه ودفنت ما تبقى من جسد ابنة عمه معه، وبت تلك الليلة باكيا حزينا.. فلما كان الفجر قمت وشددت فرسي فإذا بصوت هاتف يقول:

كنا على ظهرها والدهر يجمعنا                              والشمل مجتمع والدار والوطن!

فمزق الـدهر بالتفريق ألفتنـا                              وصار يجمعنا في  بطنها الكفن!

          هاتان الصيغتان اللتان أوردتهما (بتصرف)، تمثلان غيضاً من فيض قصص الحب المفجوع عند العرب. ولا ريب في أن علي أحمد باكثير قد تمثّلهما كما تمثّل غيرهما مما يعج به الموروث، فضلا عما مارت به كتب القدماء من أخبار تؤكد أن لكل شاعر رئيّا أي شيطانا يقول الشعر على لسانه(4)، إلى الحد الذي دفع بابن شهيد إلى انشاء رسالة أسند فيها أدوار البطولة لهؤلاء الشياطين. وقد وظف علي أحمد باكثير هذه الثقافة الشعرية في روايته فتوصل من خلال فؤاد حلمي إلى أن الشاعر الذي هتف بتلك الأبيات الرائعة التي ساوقت لحنه بعد أن تقصّى أخباره وسأل عجائز الحي وشيوخه المعمرين حتى جمع أخبارا وأساطير كثيرة عنـه (عاش في زمن قديم لا يعرفه على وجه التحديد، وأنه أحب ابنة عمه ونظم في حبها القصائد ولما زوجت من غيره يئس من حياته فقتل نفسه؛ قيل ذبح نفسه بسكين وقيل خنق نفسه بحبل علقه في سقف بيته وقيل رمى بنفسه من أعلى بيته فغرق في اليم فصار "عفريته" أي روحه يهيم إلى اليوم حول تلك الخرابة التي كانت بيته. وقد ضاعت قصائده فلم يحفظ منها شيء)(5).

          ولا يفوت علي أحمد باكثير، أن يموِّه هذا الاستخلاص بظلال من الشك والقلق والخوف، لأن هذا التظليل أوقع في نفس القارئ من التسليم بصحة ما سمعه فؤاد حلمي وما رآه، ولذلك فإنه لا يتردد في إجراء هذا الحوار المحتدم بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد السعيد:

(انطلق فؤاد إلى بيت مراد السعيد وهو يردد الأبيات في سرِّه كي لا ينساها في الطريق فما كاد يقبل عليه حتى قال له: اكتب يا أستاذ..اكتب!

- ماذا أكتب؟

- سمعت الصوت مرة ثانية ودونك أبياتا جديدة...

- كلا لا تقل هذا الآن، لقد سمعت الصوت آتيا من قبل الخرابة فلم يبق لدي الآن شك في أنه صوت صاحبها الشاعر، وهذه القصيدة والتي قبلها من شعره.

- بل هما من شعرك، وما سماعك الصوت كأنه آت من قبل الخرابة إلا من أثر الوهم الذي قام في نفسك.

- لك يا أستاذي أن تثبت ما تشاء وتنفي ما تشاء. أما أنا فلا أستطيع أن أعد ما سمعته بأذنيّ هاتين وهما باطلا لأثبت لنفسي القدرة على قول الشعر)(6).

 

المحرك الثاني: نظرية كوليردج

          في سياق محاولته تجسيد الفارق الدقيق بين الوهم والخيال في الشعر، كما نظَّر لهما كوليردج، يضرب إليوت المثال التالي: ولد صغير يبحث في تجمع صخري داخل مياه البحر فيرى شقائق النعمان لأول مرة. إن مثل هذه التجربة غير العادية ربما تظل نائمة في عقله عشرين عاما ثم تظهر وقد تحولت إلى محتوى شعري مفعم بانفعال خيالي عظيم. ويتابع قائلا: إن هنالك كثيرا من الذكريات تميز بن الخيال والوهم بحيث أنك إذا أردت أن تميز بينهما على طريقة كوليردج وجب عليك أن تميز الفرق بين الذاكرة في الخيال والذاكرة في الوهم. ولا يمكن أن تقول بأن واحدة فيهما تذيب وتنشر وتبدد الذكريات من أجل أن تقوم بعملية الابداع بينما الأخرى تتعامل مع الثوابت والمحدودات(7).

          وفي سياق محاولة أخرى لتحديد الفارق الدقيق بين الوهم والخيال في الشعر، كما نظَّر لهما كوليردج، يؤكد الدكتور مصطفى ناصيف ...أن الفكر يستعمل كلا من قوة الوهم وقوة الخيال في الحالة الطبيعية في آن واحد، لكنه لا يلبث أن يستدرك قائلا: لا بد للخيال من مرحلة الوهم، لأن الخيال هو القوة الموحّدة المركّبة فيما أن الوهم هو القدرة على الحشد والجمع. إن الوهم يمثل مغناطيسا قادرا على استدعاء مجموعة من الصور المتباينة التي ينتظمها شبه ما،  لكنها حتى حينما تتجمع تظل متفرقة. أما الأجزاء في الخيال فإنها تكيِّف بعضها بعضا. وباختصار فإن كوليردج يعد كلا من الوهم والخيال وسيلة لإدراك الحقيقة، إلا أن الشاعر الحقيقي لا يلبث أن يدرك أن الوهم يتطلب أن يجمع الشاعر جزئيات الحقيقة المدركة ويلفق منها كلاّ يشبه ما يكتبه تلميذ عن كيفية قضائه عطلته الصيفية، أما الخيال فإنه يبني لنا صورا بتأثير قوة الإدراك النافذ باتجاه صور جديدة تماما، استنادا إلى توظيف التجارب الماضية وليس استنادا إلى التجارب في حد ذاتها(8).

          لقد حوّل علي أحمد باكثير رواية (ليلة النهر) إلى مختبر تجريبي لنظرية كوليردج في الشعر! لا نقول ذلك من باب الحدس أو الاستنتاج بل من باب القطع والتأكيد، فقد صرّح بهذا الاختبار ثلاث مرات في ثلاث صفحات متتالية من خلال الحوارات التي أقامها بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد سعيد..

(- أترى هذا الذي يحدث لي حلما من الأحلام؟

 - لا ليس حلما ولكنه شبيه به، إن هذا الذي وقع لك ليذكرني بما وقع لكوليردج الشاعر الانجليزي إذ نظم في منامه قصيدة من أروع قصائده، هي قصيدته "كوبلاي خان"

 - كوبلاي خان...؟

 - نعم سأبحث لك عنها غدا لنقرأها معا)(9). 

كان هذا ما دار من حوار بين الفنان الشاعر وبين استاذه بعد ان استمع إلى صوت الهاتف وهو يردد قصيدته الأولى معه على أنغام لحنه الأول، وقد استكمل الاثنان الحوار على النحو التالي:

( لما ذهب "فؤاد حلمي" إلى بيت مراد بعد العصر ناقشه في أمر الصوت من جديد فأخذ مراد يشرح له النظرية بإسهاب وتبسيط ويضرب له مختلف الأمثلة وقام إلى مكتبته وأراه قصيدة كوليردج وقرأها عليه وشرح له معانيها. ثم قال له إن قصيدتك لا تعدو أن تكون كهذه. فراجعه فؤاد قائلا: " إن كوليردج هذا شاعر معروف قد قال الشعر من قبل وقاله من بعد فأمره يختلف عن أمري")(10).

إن انشغال علي أحمد باكثير بهذا المختبر الشعري لم يدفع به إلى اسباغ صفة الشعر على فؤاد حلمي إلى جانب صفة الموسيقى فحسب ، بل إنه أمعن في هذا الإسباغ حد الإقدام على تضمين الرواية قصائد شعرية مطولة، حرصا منه على تأثيث الرواية بمضمون شعري حقيقي ومقنع، فها هو طيف الشاعر يهتف:

يعز على الواشي طوافي بدارهـا         وما ضره لو  غض ناظره عنـي؟

أقبِّل من جدرانها فهل  اشتكــتْ        إليه الأذى يوما  فينصفهـا  منـي؟

و لو سئلت عما  تحس إذا التقـتْ       بثغري لبـاحت  بالغرام ولـم تكن

قطعتم حبال الوصل بيني وبينـها        فلا تحسدوني من وقوفٍ على ركن(11)

وها هي إحسان تستمع إلى أغنية "نجـوى النيـل" التي تبث عبر المذياع للفنـان الكبيـر فؤاد حلمي:

كنت ترعى مهدي وليدا وتنهـا               ل علـى وجنتـيَّ  بالقبــلات

تمسح الدمع إن بكيت وتغـري                بفمـي زمــرة من البسمـات

وتوليتني صبيـا على شطِّــ                ك ألـهو مـع الصغار  لداتـي

نتبارى على صعـيدك   وثبـا                كفراش في الروض  منطلقـات

نشتهي أن تضمنا  بين حضنيك                ونخشى موجـاتك المغرقــات

كـم دعـانا لذاك أنك سمـحٌ                 فنهـانا عـن ذاك أنك عـاتِ!(12)

 

المحرك الثالث: نظرية فرويد  

          مما يسترعي نظر الناقد المدقق في (ليلة النهر) اتجاه علي أحمد باكثير إلى توظيف مدرسة التحليل النفسي الفرويدية، إلى الحد الذي يمكننا القول معه بأن هذا التوظيف قد كاد يحجب توظيفه مقولات كوليردج بل قد يكون حجبه فعلا، على الرغم من المرجعية الجنسية الطاغية التي تثوي في صلب المقولات الفرويدية. إذ أن سيجموند فرويد يرى أن هناك صراعات عقلية قارة تعصف بالإنسان وتجعله موزعا بين الدافع اللاواعي نحو اللذة الجنسية وبين الدافع الذي يحاول الوعي أن يتكيف معه(13). ولم يفت علي أحمد باكثير أن يستثمر الجانب المتعلق بالأحلام في المقولة الفرويدية فوظفه أيضا دون تردد، وإن كان مزج في هذا الجانب بين مفهوم الحلم عند الامام ابن سيرين ومفهوم الحلم عند فرويد.

ولنتأمل في الكيفية التي عرض وفقها علي أحمد باكثير لمفهوم العقل الباطن والعقل الواعي من خلال هذا الحوار بين فؤاد حلمي وأستاذه مراد السعيد بعد أن سمع الأول صوت الهاتف للمرة الأولى:

(- سبحان الله. ما هذا الكلام؟ أقول لك إنني سمعتها من هاتف لم أره وتقول لي أني شاعر!

 - هذا الهاتف الذي سمعته إنما هو صوتك أنت!

 - صوتي أنا؟

 - نعم، صوت عقلك الباطن وقد استيقظ في ساعة من ساعات النشوة العارمة – حين   استرخى عقلك الواعي وفقد سيطرته عليه- فانطلق يسمعك هذه الأبيات التي كانت مختمرة من قبل في أطواء نفسك مستكنة فيها....

 - إن صح ما تقول فبم تعلّل وعيي للأبيات؟ أوعيتها أيضا بعقلي الباطن؟

 - كلا، بل بعقلك الواعي حين استيقظ. أليس أحدنا يذكر في يقظته الحلم الذي رآه في منامه؟)(14)

          وقد عاد لزيادة مفهوم العقل الباطن والعقل الواعي إيضاحا من خلال هذا الحوار الذي احتدم بين فؤاد وأستاذه مراد:

( - لماذا لا أسمع الصوت إلا في ذلك الموقع خاصة؟

  - لأن للملابسات الزمانية والمكانية أثرا لا ينكر في تنبيه العقل الباطن. كما أن لحالتك النفسية وأنت منفرد ليلا في ذلك الموقع من النهر، يسبح بك الزورق حيال الخرابة التي كثرت عنها الأساطير المثيرة، أثرها الكبير)(15)

          ومع أن مصداقية مدرسة التحليل النفسي قد تراجعت كثيرا في أوساط الطب النفسي لكنها ازدهرت في أوساط الأدب والنقد الأدبي، إلا أن علي أحمد باكثير لا يتردد في النظر إلى مقولة العقل الباطن والعقل الظاهر على أنها حقيقة علمية مؤكدة رغم عجزها عن تعريف ماهية الروح:

( - هذا الصوت الذي سمعته بإزاء الخرابة في النهر لا يقدر العلم ان يفسره إلا بنحو ما شرحته لك من قبل، فهو عاجز عن إثبات أن روح الميت قد تنطق بكلام يسمعه الحي. ولكن عجزه عن اثبات هذه الحقيقة لا يعني قدرته على نفيها إلا عند المغرورين بهذا العقل البشري المحدود.

 - أتؤمن الآن أن الصوت الذي سمعته هو صوت الشاعر صاحب الخرابة.

 - ليس عندي ما يمنع من صحة هذا. إن الوجود مملوء بالأسرار التي يجهلها الإنسان كل الجهل.

 - فما الذي جعلك تصر قبلا على تفسير الحادث بالعقل الباطن؟

 - إنما آثرت أن أفسره هذا التفسير العلمي لألقي في روعك أنك شاعر لعل هذه العقيدة أن  أن تنطق لسانك يوما ما بالشعر)(16).

          يؤكد الإمام ابن سيرين أنه لما رأى العلوم تتنوع أنواعا ما بين نافع في الدنيا دون الدين أو نافع في الدين دون الدنيا، فقد استخار الله في جمع جانب من علم الرؤيا الذي ينفع دينيا. والرؤيا الصحيحة عند الإمام ابن سيرين هي منبئة عن حقائق الأعمال منبّهة على عواقب الأمور، إذ أن منها الآمرات والزاجرات ومنها المبشِّرات والمنْذرات(17).

          ويؤكد سيجموند فرويد أيضا أن الحلم موضوع رئيس في حقل التحليل النفسي، على الرغم من أن الاتجاه إلى دراسة الأحلام قد كان يعد مضيعة للوقت، كون الأحلام تقف على الطرف النقيض من العلم، وهو ما أدى إلى وصم المشتغلين في حقل الأحلام بالميل إلى التصوف والروحانيات(18).

          وعلى نحو امتزج معه الحلم من منظور ابن سيرين والحلم من منظور سيجموند فرويد، نرى علي أحمد باكثير ينشىء هذا الحلم:

( في تلك الليلة رأى فؤاد فيما يرى النائم كأن رجلا طويل القامة نحيف الجسم يلوح على وجهه الألم والبؤس قد اقبل عليه يقول له: أما تعرفني يا فؤاد؟ فيقول له فؤاد: لا..فمن أنت؟

-         أنا صديقك الشاعر صاحب الخرابة وإني في حاجة إلى عونك فلا تهجرني.  

-         أأنت الذي أسمعني صوته في النهر؟

-         نعم فلا تغير عقيدتك فيّ.

-    لماذا لم تسمعني صوتك وقد ترددت كثيرا على منزلك وترنمت هناك باللحن الجديد الذي وضعته في ذكراك؟ أيجب علي أن أركب الزورق لتسمعني؟

-    كلا ولكنك لم تأتني في الساعة الموقوتة. ألا تذكر يا فؤاد ليلة مررت وحدك بالشارع فلما سمعت حسي ولّيت مني فرارا. أتذكر كم كانت الساعة إذ ذاك؟

-         إحدى عشرة...

-    في تلك الساعة يبدأ طوافي يا فؤاد... لا.. لا تخشى مني سوءا فإني رجل طيب لا أضر أحدا.. وإني بحاجة إلى عونك وصداقتك فلا تهجرني.

وانتبه فؤاد من نومه وقلبه يخفق والعرق يتصبب من جسمه فقص على أمه رؤياه)(19).

والطريف أن علي أحمد باكثير لا يجعل من فؤاد حلمي هدفا للأحلام فقط، بل يشرك معه في هذه الأحلام أستاذه مراد بفارق أن أحلام الأستاذ مراد تمثل حالة من الإنذار المبكر المفيد:

( وآوى مراد إلى سريره لينام ولكنه لم يكد يغفو حتى انتبه مذعورا من كابوس مزعج رأى فيه كأن رجلا يشير بيديه إلى جسر عباس ويصيح بأعلى صوته "أدرك صاحبك! أدرك صاحبك!" فهب من مرقده فزعا وارتدى ثيابه عجلا وصاح بخادمه أن ينتظره حتى يرجع، وخرج مهرولا وهو يسوي المعطف على صدره وانطلق صوب الروضة فطوى الشارع في دقائق ثم ركض ذات اليمين حتى دنا من جسر عباس فطامن من سيره عندما لمح في نور القمر شخصا واقفا على الحاجز الأيمن من الجسر.)(20)

 

 عود على بدء

          بعد أن توقفنا بإزاء هذه المحرّكات الفكرية الفاعلة في رواية (ليلة النهر)، فإن من الضروري التنبيه إلى أن هذه المحركات ينتظمها جميعا منطلق واحد رئيس مهيمن هو الإيمان المطلق بأن ثمة روحا خالدة يصعب حصرها أو وصفها أو تعيينها، وأن هذه الروح تنتمي إلى عالم ما وراء الطبيعة والحس ، وأن هذه الروح هي سر إلهي بحت. ولتأكيد هذا المنطلق فقد اعتنى علي أحمد باكثير بأن يستهل روايته بقوله تعالى: (ويسألونك عن الرّوح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)، كعادته في جُلِّ أعماله. لكنه ومن باب الحرص على أن لا تنفلت عملية التلقي من عالم الواقع، فإنه لا يدخر وسعا لتقييد هذا التلقي بمقدمة خلط فيها الواقع بالخيال حينما قال في (مقدّمة) روايته بأنه قد استقى حوادثها وأخبارها من كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة (بالموسيقار المصري العظيم المرحوم الأستاذ فؤاد حلمي)، وأن معظمها قد تلقاه من معلمه وصديقه الأستاذ مراد سعيد الذي أعاره مذكرات التلميذ النجيب. والحق أن هذا التقديم قد اضطلع بدور إيهامي وتخييلي كبير، خلافا لما ذهب إليه بعض الدارسين الذين وإن أقروا بأن هذا التقديم من شأنه أن يجنب الرواية التأويلات المغلوطة والتفسيرات المشوشة، إلا أنهم قطعوا في الوقت نفسه بأنه (يحرم القارىء متعة الاستكشاف ويلزمه برؤية قبلية تصادر حق التفسير الخاص به ناهيك عن تقييد حريته في إعادة إنتاج النص وفق رؤيته الخاصة)(21). ولا أدري إذا كان هؤلاء الدارسون قد تنبهوا إلى حقيقة أن (الموسيقار المصري العظيم المرحوم الأستاذ فؤاد حلمي) لم يمت فعلا في مستهل العقد الرابع من القرن العشرين، لان ما هو متوفر لدينا من معلومات بخصوص هذا الموسيقار(22) يشير إلى أنه ولد في عام 1922 وأنه توفي في عام 2007!! أما مراد سعيد فهو على الأرجح ما أراد علي أحمد باكثير أن يكونه أو هو القناع الذي مارس علي أحمد باكثير من خلفه دوره في التنظير. ومما يرجح لدينا هذا الظن أوجه الشبه الكبيرة بين منحنى الحياة الشخصية لعلي أحمد باكثير ومنحنى الحياة الشخصية لمراد سعيد، وتحديدا فجيعة باكثير بموت زوجته الشابة في عام 1932 وفجيعة مراد سعيد بموت زوجته الشابة التي (سعد بها حينا من الدهر غير أن المنيّة لم تمهلها فاختطفتها منه وهي أتم ما تكون جمالا ونضرة وهو أشد ما يكون شغفا بها وهياما)(23).   

 

 

   

 

       

 

 

 

 

 

هوامش البحث:

1-     انظر على سبيل المثال: باكثير رائد الشعر المرسل، محمد عباس محمد عرابي، http://www.ibtesama.com.

2-     رواية(ليلة النهر)، علي أحمد باكثير، مكتبة مصر،القاهرة،ص 186.

3-  انظر: منزلة وراء الحب- قصص قصيرة من العهد الأموي والعباسي، د.محمود عبدالرحيم صالح، دار الينابيع، ط1، عمان، 1997،ص 33-42.

4-  انظر: محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، أبو القاسم حسين محمد بن الراغب الاصبهاني، منشورات دار مكتبة الحياة- بيروت، 2/360.                                تاريخ النقد الأدبي عند العرب، د.احسان عباس، دار الشروق،عمان، ط1 المنقحة،1983، ص 14-23، ص381-384.

5-     رواية (ليلة النهر)، ص 94.

6-     رواية (ليلة النهر)، ص 90-91.

7-     فائدة الشعر وفائدة النقد، ت.س.اليوت، ترجمة: د.يوسف عوض، دار القلم، ط1، بيروت، 1982، ص 81.

8-     الصورة الأدبية، د.مصطفى ناصف، دار الأندلس، ط2، 1981، ص 28-29.

9-     رواية (ليلة النهر)، ص 85.

10-رواية (ليلة النهر)، ص 10.

11-رواية (ليلة النهر)، ص 124.

12-رواية (ليلة النهر)، ص 173.

13- انظر بتوسع: المعجم الفلسفي المختصر، توفيق سلّوم، دار التقدم، ط1، موسكو، 1986، ص 333-334.

14- رواية (ليلة النهر)، ص 85.

15- رواية (ليلة النهر)، ص 91.

16- رواية (ليلة النهر)، ص 97.

17- تفسير الأحلام، ابن سيرين، دار الفكر العربي، ط1، بيروت، 2000، ص 11،7 .

18- نظرية الأحلام، سيجموند فرويد، ترجمة:جورج طرابيشي، دار الطليعة،     ط1،1980، ص 6.

19- رواية (ليلة النهر)، ص 98-99.

20- رواية (ليلة النهر)، ص 128.

21- الخطاب المقدّماتي في الرواية اليمنية، محمد يحيى الحصماني، نادي القصة اليمنية-10 اغسطس 2008،http://www.elmaqah.net

22- منتدى مقامات شرقية، محمد جبر، 24/7/2008،http://www.mqmats.net

23- رواية (ليلة النهر)، ص 27.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3784007 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017