وهل باكثير وحده الذي ظلم
2010-06-21

صحيفة عمان


الاثنين, 14 يونيو 2010

محمد يوسف 

وكأنهم يتحدثون عن آخر غير علي أحمد باكثير ..لذا بدا المشهد كله ملتبسا .. ثلاثة وزراء ومثلهم من السفراء .. وعشرات القمم الثقافية تحتشد بهم قاعة اتحاد الكتاب العرب والمنصة .. وخمسون بحثا وكتب توزع بالمجان .. مشهد نادرا ما نراه في قاعات عرض سلعة بائرة في عالمنا العربي اسمها الثقافة .. أهو جانب آخر من عبقرية هذا المحتفى بمئويته .. أن يستقطب اهتمام كبار القوم حتى بعد رحيله بأربعة عقود! .. ومع ذلك تحولت الاحتفالية الى ما يشبه سرادق حزن .. لماذا ..؟ لأن المحتفى به عانى من ظلم التجاهل والاضطهاد في حياته وبعد مماته .. ولولا أن بي شيئا من التحضر لاندفعت مقاطعا كل هؤلاء السادة صارخا في دهشة: باكثير ظلم!! إذاً فماذا عن مئات الكتاب في الوطن الكبير ولا يدري بهم أحد ..! باكثير بعد رحيله بأربعة عقود استقطب اهتمام وزراء وسفراء وخمسين باحثا واتحاد الكتاب العرب المؤسسة الأم للفكر والإبداع في الوطن الكبير .. في الوقت الذي يحتشد فيه في القاعة منتجون للثقافة من الوزن الثقيل لا يعرف بشأنهم
ويحاول الكاتب الكبير محمد سلماوي الأمين العام لاتحاد الكتاب العرب أن يقنع القاعة لماذا كل هذا الاحتفاء بعلي أحمد باكثير .. وهو نفسه الذي طرح السؤال: لماذا باكثير؟ ويكابد في كلمته الافتتاحية لتمرير ثلاثة أسباب: لأنها المئوية الأولى لميلاد باكثير.
ـ لمكانته الأدبية الكبيرة
ـ لأن باكثير كان تجسيداً للفكر القومي العربي .. فهذا الحضرمي عاش في مصر ومر على جميع الأقطار العربية ما بين زائر ومقيم .. وجسد الروح القومية في كتاباته ..
وتتكرر كثيرا كلمات في خطب الكبار مثل القهر والظلم وإعادة الاعتبار .. شاعرنا الجميل فاروق شوشة يرى في الاحتفائية رداً لاعتبار صاحبها الذي أسدل الستار عليه منذ رحيله من واحد وأربعين عاما..
ويحكي شوشة عن ذكرياته الجميلة مع الراحل المحتفى بمئويته:
ـ كان باكثير ان جلس يجلس على حافة المقعد .. وكأنه يترك المساحة المتبقية لشخص آخر فنخشى أن يقع فنحذره .. فيقول هذا حظي من الحياة .. شريط من الكرسي وشريط من ذاكرة الناس ..
ويحكي شوشة:
ـ شكا همه الى نجيب محفوظ فقال له محفوظ لو تعرضت ما تعرضت له من نقد لتوقفت عن الكتابة!
ويجيب شوشة عن السؤال الذي طرحه سلماوي في البدء: لماذا باكثير؟
وكأنه يجيب
ـ باكثيرظلم حيا وظلم ميتا ..
ويختم شوشة حديثه فيما يشبه الامتنان: المجلس الأعلى جعل باكثير مطبوعا ومنشورا بين أيدينا ..!
ونصفق كثيراً لشاعرنا الجميل .. بعضنا ليس لاقتناع كامل بما قال .. بل وكعهدنا به دائماً لبلاغة وجمال ما قال..
لماذا باكثير؟
شاعرنا الفلسطيني الفحل هارون هاشم رشيد يستمد من ذاكرته اجابة عن السؤال:
ـ في عام 1966 كان باكثير يزور غزة .. وكنت أرافقه .. وأتذكر أنه قال للاجئين الفلسطينيين: ستأتيكم في يوم ما قوافل الحرية .. وعندما تأتيكم قوافل الحرية ستتحررفلسطين .. كل فلسطين!
ولا تغيب دلالة استحضار تلك الواقعة من ذاكرة هاشم رشيد .. أن باكثير بحسه الاستشفافي توقع ما سيحدث يوم 2 يونيو 2010 .. حين حاولت قافلة الحرية التي حملت على متنها ما يقرب من سبعمائة وخمسين ناشطا دوليا اختراق حصارغزة لتتعرض لمجزرة وحشية من قبل القوات الإسرائيلية ..
لماذا باكثير؟ الدكتور محمد أبو بكر حميد مقرر المؤتمر كان لديه ما يقوله: حين زج البعض باسم أحمد علي باكثير ضمن قوائم الأخوان المسلمين المطلوب اعتقالهم وعرضت الأسماء على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر رفض اعتقال باكثير .. فقيل له أنه ـ أي باكثير كان ينشر مسرحياته في جريدة الأخوان فقال عبدالناصر:
ـ حسبه أنه مؤلف رواية وااسلاماه والتي قرأتها قبل الثورة .. وكانت العمل الثاني الذي أعجبني بعد (عودة الروح) لتوفيق الحكيم ..
ويقول الدكتور أبو بكر أيضا: رغم المحنة التي عانى منها بسبب شدة الحصار الذي تعرض له من فئة من المثقفين .. الا أنه أبدى أمنيته أن يموت في مصر ..
وينتهي الدكتور أبو بكر:
مات باكثير مقهورا وهاهو يعود منتصرا.
لماذا باكثير؟
بعضهم قال: قارب باكثير توفيق الحكيم في كتاباته المسرحية .. ونجيب محفوظ في الرواية.

ومثلي والذين ينتمون الى جيلي وما بعد جيلي من مستهلكي الثقافة نتابع ما يقال بدهشة .. قرأنا لكل هؤلاء .. فهل كان باكثير نظيرا أو حتى قريبا من الحكيم في ابداعه المسرحي أو محفوظ في ابداعه الروائي ..! لكن هو التجاوز لو جهرنا برأينا في ذلك ونحن فقط قراء مستهلكون كما قلت للثقافة .. انما نترك الإجابة لكبار نقادنا .. عن سؤال مثل هذا وسؤال آخر حول ما قيل أن الرائد الحقيقي للشعر الحر هو باكثير .. والسؤال لا يتعلق ان كان باكثير هو الرائد أم بدر شاكر السياب أم نازك الملائكة أم رابع غير الثلاثة .. بل هل محاولته لريادة الشعر الحر فاضت بما يقنع أنه بالفعل أتى بجديد غير مسبوق في الشعر العربي ..؟ وثمة قصة وراء مسألة ريادته تلك .. يقال ان أستاذه البريطاني الذي كان يدرس له الأدب الإنجليزي في جامعة الملك فؤاد (جامعة القاهرة حاليا) كان يردد على مسامع طلابه المصريين والعرب في فخر أن اللغة الإنجليزية اختصت بالبراعة في الشعر المرسل وأن الفرنسيين حاولوا محاكاته في لغتهم فكان نجاحهم محدوداً، وأن اللغة العربية لا يمكن أن ينجح فيها هذا اللون من الشعر، الا أن الطالب علي أحمد باكثير رد عليه قائلا: أما أنه لا وجود له في أدبنا العربي فهذا صحيح، لأن لكل أمة تقاليدها الفنية، وكان من تقاليد الشعر العربي التزام القافية، ولكن ليس ما يحول دون إيجاده في اللغة العربية، فهي لغة طيعة تتسع لكل شكل من أشكال الأدب والشعر).
فنهره أستاذه وقال له:
- كلام فارغ،
واشتعلت في دواخل باكثير روح التحدي فعاد الى النسخة الإنجليزية من مسرحية (روميو وجولييت) لشكسبير .. حيث تخير منها مشهداً فعالجه بالشعر المرسل ثم ترجم المسرحية كلها.. وهذه القصة رواها باكثير نفسه خلال حوار أجراه معه الشاعر والإعلامي الكبير فاروق شوشة في برنامج فن وفكر بالتلفزيون الكويتي عام 1969م والذي أعيد نشره في مجلة (اليمن الجديد)
فهل محاولة باكثير الشعرية في هذا الصدد ترقى الى ارث السياب أو نازك أو صلاح عبدالصبور من حيث الجماليات والرؤية .. ومحكات أخرى أدرى بها النقاد والباحثون حول الأفضلية والتميز والتفرد؟
.. وعودة الى السؤال الذي أرقنا ربما طوال أيام المؤتمر: هل تعرض باكثير للظلم والتجاهل في حياته وبعد مماته كما حاول الكثير في المؤتمر اقناعنا .. نحن الذي لم نجايله؟ فإن كانت الاجابة عن أسئلة تتعلق بالمستوى الفني لكتاباته في أيدي نقادنا الكبار .. فأزعم أن لدي اجابة أو رؤية شخصية للإجابة عن السؤال الآخر حول معاناة الرجل واضطهاده .. فلا أظن أن أديبا عربيا حظي بما حظي به باكثير من شهرة.
رجل قرأ روايته (وااسلاماه) مئات الملايين من العرب على مدار نصف القرن الماضي .. الرواية كانت دوما وما زلت ضمن المناهج الدراسية في العديد من الأقطار العربية .. يدرسها عشرات الملايين جيلا وراء جيلأ .. ومن لم يقرأ شاهد ولعشر مرات الفيلم الذي يحمل العنوان ذاته ولا يمر أسبوع دون أن يعرض على احدى فضائياتنا .. أديب هذا حاله .. هل يمكن التباكي على حظه .. ونقول انه ظلم! ان كاتبا مثل نجيب محفوظ أو غيره من شوامخ الثقافة العربية خلال المائة عام الماضية لم يحظ بما حظي به باكثير من شهرة واهتمام.. فإن كان قد تعرض لنقد حاد فليس أكثر حدة من هذا الذي تعرض له غيره من قمم الأدب العربي .. أمير الشعراء ظل مستهدفاً لسنوات طويلة من كبار كالعقاد والمازني وعبدالرحمن شكري وغيرهم .. ولو سألنا أنفسنا: ما هي أكثر القصائد العربية ملازمة للوجدان العربي خلال نصف القرن الأخير؟ .. أظن أن الاجابات في غالبيتها ستكون: الأطلال .. ومع ذلك لم تسلم من غارات نقاد كبار لا هي ولأصاحبها ابراهيم ناجي .. الذي رأى عميد الأدب في شعره شعر صالونات .. لو خرج الى الهواء الطلق يصاب بالأنفلونزا أو شيئا من هذا القبيل .. بل وشدد من هجومه على البيت الذي يقول فيه ناجي: وإذا النور نذير طالع .. وإذا الفجر مطل كالحريق .. وتساءل عميد الأدب العربي في استنكار: كيف يشبه الفجر بالحريق!!! لذا تنظيم تلك الاحتفائية تحت لافتة أنه آن الأوان لرد الاعتبار لباكثير وانصافه .. ينطوي على شيء من المبالغة ان لم يكن المغالطة .. فباكثير بالطبع جدير بالاحتفاء لغزارة انتاجه وتنوعه .. وبعده القومي .. ولمرور مائة عام على مولده .. ومهما تعددت الأسباب .. فلن يكون من بينها .. أنه ظلم ..!
فإن كانت رابطة الأدب الإسلامي التي أمضت عاما تعد لإخراج تلك الاحتفالية بصورتها المبهرة كما رأيناها في مقر اتحاد الكتاب العرب بالقاهرة لأنها تجد في انتاج باكثير برهانا على ما تسعى الى تأكيده من أن هناك أدبا اسلاميا .. فأظن أن ثمة كاتبا آخر يستحق احتفاء مماثلا لأنه يقدم برهانا مماثلا هو .. جرجي زيدان!

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774782 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017