باكثير رائد التصور الإسلامي في الرواية العربية التاريخية
2010-05-08

 من أبحاث مؤتمر
نحو منهج إسلامي للرواية العربية
جامعة القرويين – كلية اللغة العربية – مراكش - المملكة المغربية
13 - 15 شوال -1428 هـ الموافق 25-27 أكتوبر – 2007م

علي أحمد باكثير رائد التصور الإسلامي
في الرواية العربية التاريخية
 
د.محمد أبوبكر حميد

يعد علي أحمد باكثير (1910ــ 1969م) من أشهر من كتب الرواية والمسرحية في أدبنا العربي الحديث، فقد تألق نجمه سريعاً بعد هجرته إلى مصر سنة 1934م، واستطاع خلال سنوات  قليلة أن يصبح واحداً من أبرز كُتَّاب الرواية المسرحية في مصر، ومن أهم الأدباء العرب وأنضجهم في القرن العشرين، وذلك لغزارة إنتاجه وتنوعه ولرياداته الفنية المتعددة، ولجرأته في طرح قضايا أمته العربية والإسلامية في مرحلة من أخطر مراحل تاريخها الحديث، وهي مرحلة الكفاح ضد الاستعمار وتحقيق الاستقلال.
دخل علي أحمد باكثير مصر شاعراً يحلم بإمارة الشعر بعد شوقي، إلا أنه بعد التحاقه بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، تخلى عن هذا الطموح لصالح فن المسرحية. وفي الوقت نفسه الذي دلف فيه إلى حلبة المسرحية اقتحم ميدان الرواية بجرأة واقتدار، وحقق نجاحاً باهراً،  إذ حصد بها الجوائز في المباريات الأدبية، وقُررت بعض رواياته على طلاب المدارس، وأخرجت أفلاماً للسينما. ولكن هذا النجاح في الرواية لم يصرفه عن كتابة المسرحيات التي أعطاها جُلَّ إنتاجه، وإجمالي نتاج باكثير في السرد الروائي ست روايات هي: (سلامة القس 1943م) استلهم موضوعها من تاريخ القرن الأول الهجري، و(واإسلاماه 1944م) من أحداث القرن السابع الهجري،و (ليلة النهر 1946م ) الرواية الوحيدة من التاريخ المعاصر، و(الثائر الأحمر 1949م) من أحداث القرن الثالث الهجري،و (سيرة شجاع 1955م) من أحداث القرن السادس الهجري، و(الفارس الجميل 1965م )من أحداث القرن الأول الهجري وقصة قصيرة واحدة يتيمة هي (عودة المشتاق). ورغم قلة عدد هذه الروايات قياساً بمسرحياته، فإن باكثير الروائي كان يزاحم باكثير المسرحي بل كان يسير موازياً له لا من حيث غزارة الإنتاج بل من حيث نوعيته فنياً ورؤيته فكرياً وتأثيره جماهيرياً.
ظهر اسم باكثير الروائي في مصر في بداية الأربعينيات من القرن العشرين، فقد كان هو ونجيب محفوظ من أوائل المنضمين للجنة النشر للجامعيين( ) التي أسسها عبدالحميد جودة السحار سنة 1943م لنشر أعمال الأدباء الشباب. تعاهد الزملاء الثلاثة السحار وباكثير ونجيب محفوظ ــ الذين تخرجوا حديثاً آنذاك من الجامعة ــ على نشر أعمال أدبية ترتقي بمستوى الرواية العربية فنياً وفكرياً، فاتجهوا إلى كتابة الرواية التاريخية برؤية جديدة تجعل من أعمالهم الامتداد المتطور لما كتبه أبناء الجيل السابق لهم أمثال محمد فريد أبو حديد وعلي الجارم وربما محمد سعيد العريان ــ إلى حد ما. كانت الرؤية الجديدة التي قرروا الانطلاق منها هي الاهتمام بتوظيف موضوعات التاريخ لخدمة الواقع المعاصر، وتصوير الشخصيات التاريخية من خلال رؤية إنسانية واسعة تخرجهم من إطار الواقع التاريخي الضيق إلى آفاق عالمية، ذلك لأنهم رأوا أن بعض أعمال الجيل السابق لهم لم تكن أكثر من إعادة صياغة التاريخ بشكل فني دون محاولة تقديم تفسير جديد لأحداثه، أو طرح رؤية خاصة تعبر عن رأي المؤلف في أحداث معاصرة.
ونتيجة لهذا الطرح الجديد حققت الروايات الثلاث الأولى: (أحمس بطل الاستقلال) للسحار، و(زادوبيس) لنجيب محفوظ، و(سلامة القس) لباكثير التي أصدرتها «لجنة النشر للجامعيين» ترحيباً نقدياً وثقافياً ممتازاً خاصةً وأن جمهور القراء قد تعرف عليها، وأعجب بها عندما نشرت مسلسلة في (مجلة الثقافة) آنذاك، إذ فازت روايتا باكثير ونجيب محفوظ بـ «جائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية»، فاقتسما قيمة الجائزة وحصل كل واحد منهما على أربعين جنيهاً، وكانت تلك أول جائزة يحصل عليها باكثير ونجيب محفوظ في تاريخهما الأدبي، ثم فازا بعد ذلك ــ بالاشتراك أيضاً بـ «جائزة وزارة المعارف» سنة 1944م باكثير عن رواية (واإسلاماه)، ونجيب محفوظ عن رواية (كفاح طيبة) ثم قررت رواية (واإسلاماه) على طلاب المدارس ابتداءً من سنة 1945م لعدة سنوات في مصر وبعض البلاد العربية.
ومع أن السحار ونجيب محفوظ قد بدآ إنتاجهما الروائي بموضوعات من التاريخ الفرعوني إلا أنهما سرعان ما انفصلا عنه حيث استقر نجيب محفوظ على استلهام الواقع الاجتماعي والسياسي المصري الذي بنى عليه شهرته، وانضم السحار إلى باكثير في إبداع أدب عربي جديد يستلهم التاريخ والواقع المعاصر من منظور التصور الإسلامي للإنسان والحياة والكون، ويؤكد ذلك شهادة نجيب محفوظ لزميليه باكثير والسحار بعدم تأثرهما بظروف الحرب العالمية الثانية (1939-1945م) واستمرار وضوح الرؤية الفكرية والتفاؤل لديهما حين قال: «حينما أنشأ عبد الحميد السحار لجنة النشر للجامعيين وفرَّج بها أزمة النشر لدى جيلنا، كنا خمسة من جيل واحد بدأنا نشر أعمالنا معاً: السحار، وعادل كامل، وأحمد زكي مخلوف، وباكثير، وأنا... وحينما أعود بذاكرتي إلى هذه السنوات أجد أن باكثير والسحار لم يداخلهما أي شك في قيمة إنتاجهما ووجوب استمرارهما فيه، فقد كانا ممتلئين بالإيمان والتفاؤل. أما الثلاثة الآخرون ــ عادل كامل وزكي مخلوف وأنا ــ فقد كنا نعاني من أزمة نفسية غريبة جداً طابعها التشاؤم الشديد، والإحساس بعدم قيمة أي شيء في الدنيا...» ( ).
ويبدو أن الاتجاه نحو استلهام التراث الفرعوني بقصد التعبير عن رؤية معاصرة كان رغبة مشتركة، فقد سبق باكثير زميليه إلى هذا الاتجاه في مسرحياته حين كتب سنة 1938م أولى مسرحياته في مصر بعنوان (أخناتون ونفرتيتي) ونشرها سنة 1940م. وقد أثار اختياره موضوعاً من التراث الفرعوني يستهل به حياته الأدبية في مصر استغراب بعض النقاد. ولكن الحقيقة أن ذلك لم يكن عجباً، فقد وصل باكثير إلى مصر سنة 1934م، وعلى الساحة الثقافية والفكرية طائفة من أدبائها يدعون إلى ارتداد مصر إلى فرعونيتها، وينكرون عليها عروبتها وارتباطها بالعرب. وبالمقابل يقف ضده تياراً عروبي ينعى على مصر اعتزازها بتاريخها الفرعوني ويدعوها للاكتفاء بتاريخيها العربي بعد الإسلام. وقد رأى باكثير في كلا الرأيين تطرفاً لا يمكن قبوله، فليس من المنطق أن تحمل مصر على تناسي حضارتها الفرعونية القديمة التي أذهلت العالم، وصارت تراثاً إنسانياً مشتركاً يُعنى به العلماء في جميع الشعوب. والحل الذي وصل إليه، أنه من حق الشعوب العربية ــ وفي مقدمتها مصر ــ أن تفخر بتاريخ حضاراتها القديمة التي أصبحت تركةً إنسانيةً تضاف أمجادها التاريخية القديمة إلى رصيد أمجاد الأمة العربية المسلمة وراثة هذه الحضارات كلها، وصاحبة الأرض التي قامت عليها هذه الحضارات ( ) بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فهو يميل أن الفراعنة هاجروا إلى مصر من جنوب شرق الجزيرة العربية في زمن عاد ( ). كان هذا هو السبب الذي جعله يبدأ حياته الأدبية في مصر باستلهام التراث الفرعوني، وينعطف نحوه تلك الانعطافة الكبيرة في عدد من مسرحياته، وهو ما سنتوقف عنده في المجلد الخاص بتلك المسرحيات.
 أما اتجاهه في رواياته إلى التاريخ العربي الإسلامي المرتبط بمصر، فيعود إلى إيمانه العميق بأهمية قيادة مصر لأمتها العربية، وهو رأي رسخ في يقينه قبل وصوله إلى مصر، وعبّر عنه في نتاج مراحل حياته السابقة. فمصر هي أرض الكنانة وموئل العروبة وانطلاقة الإسلام ومركز القيادة في معارك التحرير والانتصارات الكبرى فلا عجب أن يقول:
صلوات الله يا مصر عليك
  وتحيات ملايين القلوب

كلها ينبض تحنانا إليك
  ويفيديك على رغم الخطوب

يا رجاء العرب من قاص ودان

     ولهذا كتب (واإسلاماه) مذكراً  بنصرة الإسلام وتحرير الأرض بقيادة مصر، وكتب (سيرة شجاع) محذراً  قادة مصر من الخلاف داعياً إلى الوحدة وجمع شمل العرب والمسلمين، وهي فكرة ترددت كثيراً في شعره ومسرحياته فضلاً عن رواياته.
وهكذا نجد أن مخالفة باكثير لزميليه نجيب محفوظ والسحار اللذان اتجها في باكورة أعمالهما الروائية إلى استلهام التاريخ الفرعوني، تعود إلى إلحاح فكرة أهمية قيادة مصر لأمتها العربية والإسلامية في تلك المرحلة الحرجة من تاريخها وهي الفترة التي سبقت حرب فلسطين وقيام دولة إسرائيل سنة 1948م.

1- سلامة القس 1943م:
  كانت ردة فعل أخلاقية لشاب قادم من مجتمع محافظ في حضرموت صدمته قصص الحب الحسي التي تصورها الروايات والأفلام السينمائية العربية، فلا عجب أن يختار باكثير من التاريخ الإسلامي هذا الموضوع الذي يمثل الحب العذري العفيف في قصة سلامة، وليس أدل على المضمون الأخلاقي الذي أراد باكثير التعبير عنه من تصديره هذه الرواية بالآية الكريمة: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) (يوسف:24). فكان معنى هذه الآية محور الصراع الذي انتقل بأحداث الرواية من المثالية الرومانسية إلى الواقعية الإسلامية التي تعترف بضعف الإنسان لأنه جزء من بشريته، وتعدُّ حياته صراعاً من أجل المكانة التي كرَّمه الله بسببها فجعله خليفة في الأرض. ولعل هذه المعالجة الواقعية للقصة الرومانسية في هذه الرواية كانت وراء اختيار إخراجها للسينما في فيلم غنائي يحمل عنواناً طارت شهرته، وزادت به شهرة المؤلف لقيام السيدة أم كلثوم بدور البطولة فيه حيث كتب له بقية قصائده، ولا يزال (فيلم سلامة) يعرض إلى اليوم.
2- وا إسلاماه 1945م
وبعد النجاح الكبير الذي حققته (سلامة القس) روائياً وسينمائياً كتب باكثير أشهر رواياته على الإطلاق، وهي رواية (وا إسلاماه) التي صدرت عن لجنة النشر للجامعيين سنة 1945م، وكان لابد أن يكون موضوعها استجابة لمتطلبات الظرف التاريخي الحرج الذي تمر به مصر والأمة العربية والإسلامية، إذ كانت مصر تعيش اضطرابات سياسية وصراعات داخلية تفت في عضدها وتشل حركتها عن قيادة أمتها، وكانت الحرب العالمية الثانية في أتونها وبقية الأوطان العربية والإسلامية تتساقط في يد الاستعمار بالقوة وبالغدر معاً، وفلسطين مهددة بالسقوط في أيدي اليهود.
في هذه الظروف العصيبة وجد باكثير نفسه ملزماً ــ بصفته أديباً عربياً مسلماً صاحب رسالة ــ أن يتجه للتاريخ العربي الإسلامي ــ وليس للتاريخ الفرعوني الذي لن يسعفه بما يريد ــ ليذكر بزعامة مصر لأمتها يوم رفعت لواء الجهاد بقيادة زعيمها المظفر قطز، فانتصر المسلمون على الصليبيين في «فارسكور» وعلى التتار في «عين جالوت» الانتصار الشهير الذي أعاد للعرب والمسلمين هيبتهم وأنقذ أوطانهم من السقوط في أيدي أعدائهم.
كانت هذه الرواية صرخة تحذير ودعوة استنهاض للجهاد ضد المستعمر الغربي والمستوطن اليهودي. وكعادته في تصدير كل عمل له مسرحي أو روائي بآية قرآنية يكون معناها محور الصراع الأساسي في العمل الفني، فقد صدر (وا إسلاماه) بآية قرآنية ذات صلة بمضمونها. فازت هذه الرواية بـ «جائزة وزارة المعارف»، ثم قررتها على طلاب المدارس الثانوية، فكانت أول رواية لأديب غير مصري تقرر على طلاب المدارس في مصر( )، وقد عرف الجيل الذي تخرج من المدارس الثانوية في الفترة من 1945م حتى قيام الثورة المصرية سنة 1952م مؤلف (واإسلاماه) من خلال هذه الرواية، فضلاً عن التلاميذ الذين درسوا على يديه في هذه المدارس( ).
ورغم النجاح الكبير الذي حققه الإخراج السينمائي لهذه الرواية إلا أن لم يكن راضياً عن الخاتمة السينمائية التي خالفت الأصل، إذ كان يرى أن جلنار ــ التي قامت بدورها الممثلة لبني عبدالعزيز ــ كان ينبغي أن تعيش بعد إصابتها لكي يتم الانتصار من خلال إحساس درامي فاجع، وذلك عندما تسقط جريحة فيترك قطز أرض المعركة ويحملها بين يديه إلى الخيمة وهو يقول لها: «واحبيبتاه..»، فتصيح به قائلة: «لا تقل واحبيبتاه بل قل واإسلاماه»( ).
أنقذت رواية (واإسلاماه) مؤلفها من السجن، فعندما وقعت الفتنة بين رجال الثورة وجماعة الإخوان المسلمين سنة 1954م، كان اسم علي أحمد باكثير من الأسماء الكبيرة التي لا يمكن اعتقالها إلا بإذن من الرئيس جمال عبدالناصر، وكان طلب اعتقاله بحجة أنه كان ينشر بعض مسرحياته في صحيفة (الإخوان المسلمون)، وتربطه علاقات ودية ببعض الإخوان وخاصةً بسيد قطب بصفته ناقداً أدبياً. لكن جمال عبدالناصر رفض اعتقاله معترضاً بقوله: «لماذا باكثير؟ كلنا كنا أصدقاء لقادة الإخوان المسلمين ونؤيد دعوتهم، ثم إن باكثير مواطن عربي هاجر من وطنه حباً في مصر، وحسبه أنه مؤلف (واإسلاماه) التي قرأتها قبل الثورة فأعجبت بتصويره لمدى حاجة مصر لزعيم وطني يحرر أوطان العرب ويوحد كلمة المسلمين»( ) وبعد ذلك بتسع سنوات، قال له الرئيس جمال عبدالناصر سنة 1963م وهو يمنحه «وسام العلوم والفنون» من الطبقة الأولى: «كانت (واإسلاماه) أكثر عمل أدبي تأثرت به قبل الثورة، بعد (عودة الروح) لتوفيق الحكيم»( )، ويقول أمين هويدي وزير المخابرات المصري الأسبق أن هذه العبارة أنقذت باكثير من السجن مرة أخرى وذلك سنة 1966م إذ رشحته المخابرات للاعتقال بسبب صلته بسيد قطب لكن الرئيس جمال عبدالناصر رفض ذلك، بحجة أن باكثير لم يكن عضواً في جماعة الإخوان المسلمين ولم يكن مرتبطاً بأي تنظيم سياسي، وكان صلته بسيد قطب صلة أدبية بدأت قبل أن يتجه الأخير للعمل السياسي.( )
وفي سنة 1963م أيضاً أكرمه جمال عبدالناصر بـ «وسام عيد العلم»، وفي السنة نفسها أيضاً تم إنتاج (واإسلاماه) إلى فيلم سينمائي عالمي باللغتين العربية والإنجليزية، وذاع صيت هذا الفيلم ولا يزال يُعرض اليوم في المناسبات الدينية وفي أوقات الأزمات.
3-ليلة النهر 1946م
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها سنة 1945م يستريح باكثير عن مواصلة سيره على درب الرواية التاريخية، فيلتفت إلى موضوع معاصر، ويكتب رواية (ليلة النهر) التي نشرت سنة 1946م لتكون الرواية الوحيدة التي كتبها في موضوع اجتماعي، حيث استوحى قصتها من حياة الموسيقار المصري فؤاد حلمي مستعيناً بالمذكرات التي استعارها من صديقه الحميم مراد السعيد، كما ذكر في مقدمة الرواية.
ويبدو موضوع هذه الرواية اليتيمة للوهلة الأولى خارجاً عن اهتمامات المؤلف التي تصب معظمها ــ وحتى العاطفية منها ــ في إطارات مستوحاة من التاريخ أو الأسطورة. ولكن بتأمل حيثيات موضوع (ليلة النهر) نجده قريباً كل القرب من منطقة ظلت خضراء في قلبه.. منطقة ظل الحب فيها يتدفق جنباً إلى جنب مع مشاعر الحزن والشجن، إذ لم يستطع تعاقب السنين وكر الأيام أن يوقف هذا التدفق طوال حياته.
رواية (ليلة النهر) قصة حب نقي رعاه الصبا بطهره وبراءته، ونماه الشباب باندفاعه وطموحه الوثاب، حب تفجر في قلب شاعر وموسيقي شاب، فأجاد بشعر رقيق رائع، صاحبته موسيقى في ألحان أخّاذة، ولكن الشاب يصطدم بعقبة كأداء تحول بينه وبين الزواج من محبوبته، إذ إن خالها القيم على شؤونها يفضل عليه شاباً آخر ليس له من المؤهلات إلا أنه ابن أحد أصحاب الثراء وحملة الألقاب ! وهذا الجزء الذي هو محور الصراع وعصب المأساة في هذه الرواية يمس وتراً حساساً في حياة المؤلف الشخصية ، فما قصة فؤاد حلمي مع محبوبته إلا إسقاط – بطريقة أو بأخرى – لما تعرض له باكثير نفسه في حضرموت عندما أراد الزواج من الفتاة التي أحبها وعشقها منذ صباه، والفرق بينهما أن المؤلف استطاع الزواج في النهاية من محبوبته وبطل الرواية لم يستطع ، ذلك لأن باكثير يفقد محبوبته بعد زواجه منها بقليل، ويظل حياته كلها يعاني – بوفاء عظيم – من مأساة موتها المبكر، أما بطل(ليلة النهر) فيموت حزناً وكمداً بعد أن يفقد محبوبته التي أُكرهت على الزواج بغيره.
وظلت مأساة باكثير الشخصية مع المرأة التي حصل عليها بالحب، وفقدها بالموت في حضرموت، تلح عليه في كثير من أعماله، ابتداء من القصة الكاملة لهذه المأساة في مسرحيته الشعرية (همام أو في بلاد الأحقاف) 1933م أولى مسرحياته مروراً بمسرحية (إخناتون ونفرتيتي) 1938م الشعرية باكورة أعماله في مصر، وانتهاء بآخر مسرحياته على الإطلاق وهي مسرحية (عاشق من حضرموت) 1969م الشعرية التي كتب معظمها، وحال الموت بينه وبين إتمامها.
4-الثائر الأحمر 1948م
وفي سنة 1948م كتب باكثير روايته التاريخية السياسية (الثائر الأحمر)، وصدرت سنة 1949م  عن لجنة النشر للجامعيين، وقد أثارت جدلاً واسعاً لخطورة موضوعها وجرأته، فقد اتخذ من تاريخ الحركة القرمطية والظروف السياسية والاجتماعية التي أدت إلى ظهورها وسيلة للتحذير من انتشار الشيوعية في العالم العربي والإسلامي، فلم تظهر الحركة القرمطية إلا نتيجة للظلم الاجتماعي الذي ساد دولة الخلافة الإسلامية آنذاك، وانتشار نظام الإقطاع الذي حوّل صغار الفلاحين إلى عبيد لا يكادون يحصلون على ما يسد الرمق، في حين استأثرت فئة محدودة من الناس تتمركز في عاصمة الخلافة بغداد بالمال والأرض والإنسان.
ومن خلال معاناة أسرة حمدان قرمط يعرض لنا باكثير كيف يؤدي التطرف في الظلم إلى تطرف في المطالبة بالعدل، إذ ينضم حمدان إلى جماعة متطرفة «جماعة القداحين» تعمل تحت ستار الدين وتعد بالعدل والمساواة والملكية المشاعة، ويصبح حمدان قرمط فيما بعد زعيماً لهذه الحركة، ويحتل مدينة مهيماباذ شرق الكوفة ويجعلها دار هجرة لأتباعه الذين يحلمون بتطبيق العدل الشامل، ولعل باكثير أراد أن يقول ـ آنذاك ــ إن هذا العدل الشامل الذي وعدت به الحركة القرمطية في ظل الإباحية وتفكك الأسرة والملكية المشاعة لكل شيء لو تحقق للقرامطة آنذاك فإنه سيتحقق للشيوعية. وقد صدق الرؤية فكرياً وأبدع فنياً ، إذ وصلت الشيوعية في العالم كله إلى النتيجة نفسها التي وصلت إليها الحركة القرمطية في التاريخ وفي الرواية.
 ويحق لنا أن نتساءل عن السبب الذي دفع باكثير إلى كتابة هذه الرواية قبل ظهور الثورات والأنظمة الاشتراكية و استفحال أمر الأحزاب السياسية والشيوعية في العالم العربي ؟!
والجواب في رأيي أن هناك ثلاثة عوامل كانت وراء اختيار باكثير لموضوع هذه الرواية في ذلك التوقيت، أولها: أن سنة 1948م كانت من أصعب السنوات في تاريخ مصر والعالم العربي بل والإسلامي ، ففي هذه السنة منيت الجيوش العربية مجتمعة بهزيمة ساحقة انتهت بقيام دولة إسرائيل في فلسطين. وثانيها: حدوث الصدام الدموي بين جماعة الإخوان المسلمين وحكومة الملك فاروق الذي انتهى بحل الجماعة واغتيال زعيمها الإمام حسن البَنا. وثالثها: تفاقم أزمات النظام السياسي في مصر وتسلط الإقطاع على رقاب الفلاحين، الأمر الذي أدى إلى إيجاد بيئة خصبة لظهور المنظمات السرية ومنها الشيوعية للترويج لمبادئها، حتى انتهت الأمور في 23 يوليو 1952م بنجاح حركة الضباط الأحرار في قلب نظام الحكم.
ولا عجب في ذلك فقد كان باكثير يكتب بحاسة المسلم الصادق المخلص لدينه وأمته، وهذا ما جعله لا يكتفي فقط بوضع رؤية لنهاية الشيوعية والرأسمالية، بل وضع أيضاً تصوراً لانتصار العدالة الإسلامية التي قدمها حلا بديلا لكلا النقيضين. وهذا ما أشار إليه العنوان التوضيحي على الغلاف «قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية في الكوفة». وكان هذا العنوان الفرعي موجوداً على الطبعة الأولى التي صدرت في القاهرة عن «لجنة النشر للجامعيين» ، واختفى هذا العنوان من الطبعة الثانية التي صدرت بعد الثورة عن «نادي القصة»، سنة 1952م. وقبل وفاته بسنوات قليلة نشر باكثير النص الكامل من (الثائر الأحمر) عن دار الكتاب اللبناني في بيروت وحمل عنوانا فرعياً على الغلاف أكثر شمولاً في التعبير عن فكرة الرواية، وهو : «قصة الصراع بين الرأسمالية والشيوعية والعدالة الإسلامية» وصدرت منه الطبعة الثانية سنة 1984م .
5ــ سيرة شجاع 1955م 
وفي سنة 1954م وبعد ثورة المصرية عادت فكرة قيادة مصر لأمتها العربية والإسلامية تلح عليه مرة أخرى، فكتب رواية (سيرة شجاع) ونشرت سنة 1955م، وتدور أحداثها في الفترة بين أواخر حكم الدولة الفاطمية وبداية الدولة الأيوبية. يشير باكثير إلى أهمية اختياره لموضوع هذه الرواية: أنه كان هناك في هذه الفترة احتكاك بين مصر وسوريا، انتهى في مناقشة قضية الزعامة في مواجهة الخطر الصليبي. هل تكون العاصمة في دمشق أو في القاهرة؟ فكان الإجماع أن تكون القاهرة مركز القيادة. ويعلل ذلك بقوله: «أن القاهرة كانت مركز القيادة والزعامة للعالم العربي في عهود كثيرة مثل عهد أحمد بن طولون الذي امتد سلطانه إلى شمال  أفريقيا وبرقة وطرابلس، وصلت فتوحاته إلى محاربة الروم. وكانت الزعامة الفعلية وقتئذٍ في القاهرة رغم أن الخلافة كانت في بغداد. وفي عهد الفاطميين بسطت مصر زعامتها على دول كثيرة منها المغرب واليمن، ولم يكن يمنعها من زعامة جميع دول العربية إلا المذهب الفاطمي الشيعي الذي حورب أشد المحاربة حتى في مصر نفسها، إلى أن استقلت مذهبياً وأصبحت سنية بعد الدولة الفاطمية»( ). 
وقد قدم باكثير في (سيرة شجاع) نموذجاً من الصراع على السلطة في التاريخ الإسلامي، حيث تنتصر في النهاية ــ بعد سلسلة من الأحداث ــ الوطنية على الخيانة،  والإيثار على الأثرة، ولا يكون إلا البقاء للأصلح، وذلك من خلال تصوير فني هادف للصراع بين الوزيرين شاور وضرغام في عهد الخليفة الفاطمي العاضد، وهو الصراع الذي استعان فيه أحد الطرفين بالأجنبي عدو العرب والمسلمين للانتصار على أخيه المسلم.
ولاشك أن اختيار باكثير لموضوع هذه الحقبة من تاريخ مصر ليس ببعيد عمّا شهدته مصر والعالم العربي من أحداث سياسية كان في مقدمتها الصراع على السلطة في مجلس قيادة الثورة المصرية الذي حُسم سنة 1954م بانتصار جمال عبدالناصر وإقصاء محمد نجيب. وقد حملت هذه الرواية بين طيات صراعها أحداثاً تاريخية فيها إسقاطات على الحاضر قابلة لشتى التفاسير، انطوت من مغبة الخلاف وتأثيره على زعامة مصر للأمة العربية.
وبما أن العمل الفني لا يمكن أن ينفصل تماماً عن عواطف ومبادئ ومواقف صاحبه ــ مهما ادّعى من الموضوعية ــ فإن القارئ والدارس لابد أن يجد ما يفيده في فهم إسقاطات النص والنسيج الروائي لأحداثه من خلال علاقة باكثير بالأطراف المعنية من رجال ثورة 23 يوليو, والظروف الشخصية التي دعته لكتابة هذه الرواية. ولعل أحد مفاتيح هذا الفهم الإهداء الذي كتبه في بداية الرواية «إلى جمال عبدالناصر ورفاقه الأبطال»، والدلالة التي تحملها دعوته في نهاية الإهداء أن تكون أحداث هذه الرواية «عبرة لمن اعتبر، وذكرى لمن ادّكر». ولاشك أن باكثير كان ممتناً لجمال عبدالناصر بإنقاذه له من اعتقالات سنة 1954م، برأيه الذي عبر فيه عن إعجابه برواية (وا إسلاماه).
وقد سرى هذا الإعجاب إلى بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة، فقد كان كمال الدين حسين من المعجبين بأدب باكثير، وبرواية (وا إسلاماه) على وجه الخصوص، وبعد أن أصبح وزيراً للتربية والتعليم (1954-1955) بعث لباكثير سنة 1955م برسالة إعجاب وتقدير يطلب منه أن يؤلف رواية أخرى( ) تقرر أيضاً على طلاب المدارس، فكانت رواية (سيرة شجاع). وقد ذكر باكثير في مسودة خطاب بقلمه كتبه أوائل سنة 1955م، يقول فيه: «لما انتهيت من تأليف قصتي سيرة شجاع رأيت أن أتقدم بنسخة منها إلى السيد كمال الدين حسين وزير التربية والتعليم إذ ذاك لما كان يسبغه من عطف علي، ومن اهتمام بنتاجي القصصي منذ ألفت (واإسلاماه)، فكان يشجعني أن أكتب قصة قومية مثلها، فلما ألفتها رأيت أن أقدمها إليه تحية له، ورأت الوزارة بعد دراسة الكتاب إنه يصلح للقراءة الصيفية للطلبة فقررته»( ).
ومع ذلك فقد ربطت باكثير باللواء م محمد نجيب معرفة شخصية منذ سنة 1942م من خلال زوجته المصرية التي تمت بصلة قرابة لأسرة محمد نجيب، وتوثقت هذه الصلة بعد الصدى الوطني الكبير الذي أحدثه تمثيل مسرحيته (مسمار حجا) سنة 1951م، التي كانت صرخة جريئة في وجه الاستعمار الإنجليزي لمصر، وبعد نجاح الثورة استقبل الرئيس محمد نجيب باكثير وحيّاه على وطنيته، وقال له عبارة ظلت ترن في أذنه طويلاً، «لقد قدمت رأسك قبلنا يا أستاذ باكثير بأعمالك الوطنية قبل الثورة»( ) وقد أشار زكي طليمات مخرج المسرحية إلى خطورة هذا العمل الوطني في ظل الوجود الإنجليزي بمصر في مقدمة طبعتها الأولى وقال: انه كان مشفقاً أن يقاد باكثير إلى السجن بسببها( ). وقد وجدت بين برقيات التعازي التي وصلت أسرة باكثير بعد وفاته برقيتين من اللواء محمد نجيب من سجنه بالمرج يدل محتواهما على متابعته إنتاج باكثير يقول في إحداهما:
«السادة آل باكثير: أشاطركم قلبياً، فقد خسرنا والعروبة والإسلام عالماً جليلاً وبطلاً عظيماً، فالرحمة للفقيد والصبر الجميل للجميع».                            اللواء محمد نجيب. المرج 11/11/1969م

6- الفارس الجميل 1965م
وكفَّ باكثير عشر سنوات بأكملها عن كتابة الرواية، وانشغل بكتابة الكم الهائل من المسرحيات التي أنتجها في هذه الفترة، ويبدو أنه كان لا يلجأ لكتابة الرواية إلا عندما يرى أمته تعيش احتقاناً يخاف عليها فيه من الانفجار، فيجد في رحاب الرواية سعة لا يجدها في المسرحية، فينطلق محذراً أو مبشراً من خلال إسقاط أحداث التاريخ المشابهة على الواقع المعاصر، ولهذا جاءت روايته الأخيرة (الفارس الجميل)، التي نشرها في ثلاث حلقات بمجلة القصة المصرية سنة 1965م، على علاقة بحالة الاحتقان التي كانت تعيشها الأمة العربية في تلك الفترة، والتصدع الذي أصاب علاقة مصر ببعض أخواتها العربيات، ومجموعة من الأزمات انتهت بهزيمة 1967م، التي ضاعت بها فلسطين بأكملها وأراض عربية أخرى.
في (الفارس الجميل) يرسم باكثير صورة أخرى للصراع من أجل المصالح الشخصية والتوسع في السلطة على حساب وحدة الأمة ومصلحتها الحقيقية. ويختار موقفاً من تاريخ الصراع بين بني أمية وبني هاشم، بين خلفاء معاوية بن أبي سفيان ويمثلهم عبدالملك بن مروان، وخلفاء علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- ويمثلهم عبدالله ابن الزبير وأخوه الفارس الجميل مصعب بن الزبير بطل الرواية. والإسقاط المعاصر في هذه الرواية يختلف عن الروايات السابقة التي كانت الأحداث فيها يتجاوز الأطماع الشخصية والصراع على السلطة إلى الجهاد من أجل دحر عدو أجنبي يهدد العرب والمسلمين والانتصار عليه كما في (وا إسلاماه)، أو الاستعداد له كما في (سيرة شجاع)، أو تفنيد فكرة خطرة تهدد عقيدة الأمة وتفسد كيانها كما في (الثائر الأحمر).
أما في (الفارس الجميل) فالإسقاط يصور صراعاً كانت الأمة العربية تعيشه في السنوات التي أعقبت ثورة اليمن سنة 1962م إلى هزيمة 1967م. لهذا اختار باكثير من التاريخ ذلك الموقف المؤلم الحرج حيث كان عبدالملك بن مروان يزحف من بلاد الشام ليخضع العراق التي كان مصعب ابن الزبير والياً عليها باسم أخيه عبدالله بن الزبير، والجانب المأساوي الإنساني الذي صورته هذه الرواية محاولة مصعب وعبدالملك الابتعاد عن المواجهة العسكرية التي تحتمها الأطماع السياسية، فضلاً عن كونهما أخوين عربيين مسلمين فهما صديقان حميمان منذ الطفولة، ولكنهما لم يستطيعا الانتصار على أطماع الأنظمة السياسية من أجل الأخوة والصداقة ومصلحة المسلمين!
في هذه الرواية لم يغير باكثير منهجه في الاختيار من التاريخ فحسب بل غيّر أيضاً في وسائل التصوير الفني مستفيداً من التقنية الحديثة التي وصلتها الرواية العالمية، وربما لهذا السبب ختم أحداث (الفارس الجميل) بنهاية مفتوحة، وربما أيضاً لأن الأحداث السياسية المعاصرة آنذاك ــ لم تكن قد وصلت إلى نهاية ــ فكان استدعاء الحدث التاريخي المشابة تحذيراً من مغبة النهاية التي خشي منها باكثير على أمته، وقد حدثت سنة 1967م.
ومن هذا كله نخلص إلى أن روايات باكثير التاريخية تدل على انه عندما تعامل مع التاريخ كان على وعي تام بأن دور الأديب يختلف عن دور المؤرخ، فالمؤرخ لا يكتب إلا ما حدث بالفعل، أما الأديب فيقدم تفسيراً لما حدث من خلال توجيه جديد لسير الأحداث والشخصيات التاريخية. وبهذا يُعدُّ باكثير من الناحيتين الفنية والفكرية ــ في نظر كثير من النقاد المنصفين ــ رائداً في توجيه الشكل الفني للرواية العربية التاريخية توجيهاً جديداً ينطلق من التصور الإسلامي الصحيح بكل أبعاده الوطنية والقومية والإنسانية.

 

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775080 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017