باكثير رائد الشعر المرسل
2010-03-01
 
باكثير رائد الشعر المرسل
إعداد /محمد عباس محمد عرابي
 
يعتبر " على أحمد باكثيرا " أكثر الشعراء استفادة من تجربة ( الشعر المرسل) ([1]). فبعد تجاربه الكثيرة رأى أنه لا يناسب الشعر المرسل من الأوزان إلا تلك التي يتكرر فيها نمط واحد من التفعيلات كما في الكامل والرجز والمتقارب والمتدارك والرمل أما التي تستخدم نمطين من التفعيلات – كتلك التي استخدمها أبو شادي مثل السريع والخفيف والطويل – فهي أوزان غير ملائمة .
وقد حدد باكثير المقصود بحرية النظم تحديداً يتفق والمفهوم الحديث للشعر الحر ، فهذا النوع من النظم عنده ( حر لعدم التزام عدد معين من التفعيلات في البيت الواحد واستخدم باكثير هذه التجارب في ترجمته لرميو وجوليت ونموذج من الشعر المرسل الحر كما سماه ونشره في مجلة الرسالة العدد 625 بتاريخ 25 يونيه سنة 1945 
يقول فيه:- ([2]).
يا لها مهزلة
يا لها سؤة مخجلة
مثلت دورها أمة تدعى ضلة أنها من كبار الدول.
سلمت للمغيرين أوطانها لتواري في سوريا أو في لبنان الخجل
أمة ولت من وجه العدو فراراً.
وقصة ريادة باكثير للشعر المرسل تبدأ بعد أن قدم إلى مصر في عام 1933م ليدرس في كلية الآداب – قسم اللغة الانجليزية – ويحدث حوار بينه وبين أستاذه الانجليزي الذي تحدث عن الشعر المرسل موضحاً أن اللغة الإنجليزية هي التي برز فيها فن الشعر المرسل . وأنه بدا عندهم .. وحاول بعض الشعراء الفرنسيين تقليدهم .. ولكن محاولاتهم كانت قليلة .. وأنتهم الأستاذ اللغة العربية بالصعوبة وأنها وبألفاظها لا تستجيب للغة الشعر الحديث.
وقد اعترض باكثير على كلام الأستاذ بالانجليزي ، واعتبر رأيه اتهاما للغة العربية .. وقال إن ذلك حقيقة بسبب التقاليد الفنية التي تلزم ناظم القصيدة بالقافية .. ولكن ذلك لا يمنع من المحاولة والتجريب لطواعية اللغة العربية.. التي تتسع لكل القوالب والأشكال الشعرية ، ولما استخف الأستاذ الإنجليزي بهذا الكلام برزت عند باكثير الأهمية والغيرة .. والرغبة في التحدي .. فقام بترجمة مسرحية روميو وجوليت .. بعد أن وجد أن البحور التي تصلح لترجمتها هي التي تتكون من تفعيلة واحدة متكررة كالكامل والرجز والمتقارب والمتدارك والرمل .. ومن هنا يكون قد وصل إلى سر الإبقاء على التفعيلة بحيث تكون وحدة نغمية تتلاحق بتدفق بغض النظر عما تشغله من حيز أثناء البناء مثل الجملة النثرية.
ثم تلا ذلك قيامه بكتابة مسرحية " إخناتون ونفرتيتي " عام 1938م والتي أكد فيها قدرته وريادته للشعر الحديث .. وقد أطلق باكثير على أسلوبه الجديد في الشعر .. الشعر المنطلق أو المرسل أي أنه مرسل من القافية .. وعندما صدرت الطبعة الثانية لمسرحية " إخناتون ونفرتيتي" جاء في مقدمتها قول باكثير ..( أقدمها منتشيا مما أجد في سطورها من أنفاس شبابي الأول وسعيداً لما أصابت من حظ عظيم .. إذ صارت نقطة انقلاب في تاريخ الشعر العربي الحديث كله فقد قدر لها أن تكون التجربة الأم فيما شاع اليوم تسميته بالشعر الحر أو الشعر التفعيلي .. وأسميته أنا قديما الشعر المرسل المنطلق .. تجربة انطلقت من منيل الروضة على ضفاف النيل بالقاهرة ثم ظهر صداها أول ما ظهر في العراق لدى الشاعرين المجددين الكبيرين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة بعد انطلاقها بعشرة أعوام لقد نظم النشاشيبي قصيدة على منواله ([3])
لقد استخدم باكثير نفس التكنيكات التي درسها في شعر شكسبير المرسل مثل تدفق المعنى ، وجعل الفقرة – لا البيت - وحدة المعنى ، واستخدم أيضاً بحر المتدارك فقط في المسرحية كلها وكثيراً ما سمح لنفسه بأن يستخدم في الأبيات عدداً غير ملتزم من التفعيلات حسبما يتطلب المعنى مما يجنبه الحشو الذي يقتضيه البيت التقليدي في تفعيلاته ذات العدد المحدد ([4])، ويتضح ذلك في المثال الآتي من مسرحية ( إخناتون ونفرتيتي ) :- 


طالما كانت تستيقظ في الأسحار فنكتم أنفاسها.


وتقبل ما بين عيني في رفق حتى لا توقظني.
وأسارقها الطرف حينا فحينا فألمح في شفتيها ارتعاش الصبا.
وقد أختلس الحلوى من مخدع جدتي الشمطاء.
وفي عينيها اغتباط الطفل تملى من ثدي أمه.
ثم يغزو التثاؤب فاها الجميل.
ويلوذ النعاس بأهدابها فتميل.
إلى جنبي وتعود إلى نومها في طمأنينة وغرارة.


يقول باكثير في الحوار الذي يُحدًّث فيه إخناتون أمه عن بعض ذكرياته مع زوجته المتوفاة.

إنها ستتوق إلى لقياي ولو بعد حين.
إنني سأراها وألمسها وأكلمها فتجيب.
وأحدثها عما عانيت من الآلام.
لفرقتها ولقيت من الأحزان.
وتحدثني عما سمعت في غيبها.
من حديث طريف ، وعما رأت من مرأى عجيب.
كما حدثتني لما عادت من أهلها.
بعد شهر قضيته هناك بعيداً عني.
كيف كانت تذكرني ليلاً ونهاراً.
وتحدث أترابها عن مصر وعني.
وعن فرعون وأمي فتتركهم غياري. ([5]).




1- حول ريادة على أحمد باكثير لاستخدم الشعر المرسل في المسرحيات الشعرية انظر :-
- على أحمد باكثير فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية ، القاهرة ، مكتبة مصر ، ط3 ، 1985، ص13.
- نادية سعد معوض ، على أحمد باكثير ، مجلة منار الإسلام ، العدد 363 ، ربيع الأول 1426ه. مايو 2005، ص94.

2- السعيد الورقي ، لغة الشعر العربي الحديث ، ص179 

3- إبراهيم الأزهري ، أيام مع باكثير ، القاهرة ، جمعية أصدقاء باكثير ، سلسلة كتاب باكثير الأدبي ، العدد الثالث ، 2007، ص40.

4- محمد عبد الغني حسن ، الشعر العربي في المهجر ، القاهرة ، طبعة الخانجي ، ط3 ، د.ت ، ص105.

5- على أحمد باكثير ، إخناتون ونفرتيتي ، القاهرة ، طبعة الخانجي ، 1940، ص.د. 
اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3784167 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017