مقالات عن باكثير->مقالات في الإنترنت
شهرزاد بين تعادلية الحكيم وأحلام طه حسين وسر باكثير

اعتمدت علي الحكي والسرد وتلاعبت بخيالات وآلام وأحلام شهريار
شهرزاد بين تعادلية الحكيم وأحلام طه حسين وسر باكثير
الأمير أباظة
 صحيفة القاهرة
11-10-2005العدد (287) السنة السادسة 
تستمد شهرزاد شهرتها الطاغية وخلودها كواحدة من أهم وأشهر الشخصيات والحكايات الشعبية في جميع أنحاء العالم من خلال دورها الكبير في إيقاف شهوة الانتقام عند شهريار الذي ترسبت داخله عقدة الخيانة التي ترسبت داخله وأطلقت في أعماقه شهوة الانتقام المدمر من بنات حواء.
وإذا كانت «ألف ليلة وليلة» قد فرضت نفسها علي الآداب العالمية فإن الأدب المصري المعاصر لم يكن بعيدا عن هذا التأثير الكبير، حيث حظيت حكايات «ألف ليلة وليلة» باهتمام كبار الأدباء والكتاب.
والكتاب الذي بين أيدينا «شهرزاد في الأدب المصري المعاصر» الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة سلسلة كتابات نقدية يتعرض بالدراسة والتحليل لثلاثة أعمال أدبية منها نصان مسرحيان وعمل روائي ليكونوا نماذج التحليل والمقارنة مع المصدر الأصلي.
الكتاب هو دراسة الباحثة نهاد إبراهيم لنيل درجة الماجستير في النقد الفني من أكاديمية الفنون. أما الأعمال الأدبية التي اعتمدت عليها الباحثة فهي مسرحية شهرزاد لتوفيق الحكيم، ومسرحية سر شهرزاد لعلي أحمد باكثير، ورواية أحلام شهرزاد للدكتور طه حسين.
وقد اعتمدت الباحثة في هذه الدراسة النقدية لهذه الأعمال علي استخدام المنهج التحليلي، لما يتمتع به هذا المنهج من القدرة علي الإلهام والغوص داخل منظور العناصر المطروحة في بناء العمل الفني، بالإضافة إلي استخدام المنهج السوسيولوجي المفسر للخلفيات الاجتماعية المؤثرة في المؤلف والعمل الفني وهو ما يساهم في إلقاء أضواء نقدية وتحليلية فاحصة علي استلهام وتوظيف كل من هؤلاء الكتاب لصراع الحكاية. الإطار لـ «ألف ليلة وليلة» مع التركيز علي الرؤي المعاصرة والدلالات المنبعثة من شخصيتي شهرزاد وشهريار بأبعادهما وإيحاءاتهما الخصبة الثرية التي لا تتوقف عند حدود معينة.
* تأثير شهرزاد
ارتكزت المؤلفة في هذه الدراسة علي تأثير شخصية شهرزاد علي الأدب المصري المعاصر، والتي عاشت مخلدة عبر الحكاية الإطار لـ «ألف ليلة وليلة» تناقلتها الكثير من أقلام المبدعين في جميع أنحاء العالم. لكن ما يهمنا هنا هو قيام بعض المبدعين المصريين باستلهام شخصية شهرزاد وملامح الحكاية الإطار لـ «ألف ليلة وليلة» في أعمالهم المسرحية والروائية، والتي طرحوها من خلال معالجات درامية تتناسب مع توجهاتهم الفكرية وقدر موهبتهم وملابسات عصرهم والقضايا التي تشغلهم. وانطلاقا من ثراء الموروث الشعبي لـ «ألف ليلة وليلة» كان لابد أولا من تحليل أبعاد وتأويلات الصراع الدرامي المثير بين شهرزاد وشهريار الذي شهدته الحكاية الإطار لـ «ألف ليلة وليلة»، ومن خلال تحليل مردود تيمة الخيانة عند شهريار وكيفية وهدف توظيف الحكي عند شهرزاد. ومن بين المبدعين المصريين الذين استلهموا الحكاية الإطار لـ «ألف ليلة وليلة»، اختارت المؤلفة تحليل مسرحية «شهرزاد» لتوفيق الحكيم ومسرحية «سر شهرزاد» لعلي أحمد باكثير ورواية «أحلام شهرزاد» لطه حسين.
دلالات الخيانة
وقد توصلت المؤلفة عبر الباب الأول المخصص للحكاية الإطار، إلي أن فعل الخيانة في واقع الأمر يحمل بداخله دلالات متعددة الطبقات متشابكة في بنية درامية واحدة. فلا تعني خيانة الملكتين المجهولتين زوجتي شاه زمان وشهريار مجرد اختراق للأعراف الدينية والأخلاقية، بل إن الخطورة الحقيقية في تحقق فعل الخيانة تكمن في كونه ثورة منظمة علي المجتمع البطريركي الأبوي المتصلب بمسلماته السياسية والثقافية والسيكولوجية والاجتماعية الراكدة. وهي التي لا تعرف سوي الإعلاء من شأن الذكر وتهميش الأنثي ومحاولة إلغائها وسحقها المستمر، للانفراد بمقاليد القوة والقمع والهيمنة علي جميع المستويات. ومن ثم كان لابد من القضاء علي هذه الثورة الأنثوية في مهدها علي الفور وإبادتها كاملا بالتخلص من الملكتين الخائنتين، خاصة أن شريك الخيانة دائما هو العبد الأسود مما يؤكد خطورة الثورة المنظمة التي تستهدف الإطاحة برأس المجتمع الأبوي وخلخلة «المسلمات» البديهية المتوارثة عبر العصور الطويلة. وقد أوحي راوي «الليالي» بالتأكيد علي فطرة الأنثي المجبولة علي الشر، من خلال التركيز علي فعل خيانة الملكتين دون أن نعرف عن ماضيهما أو حاضرهما أي شيء آخر، في نفس الوقت الذي نصت فيه «الليالي» صراحة علي عدالة الملكين في مملكتهما طوال عشرين عاما. وإذا كانت استجابة الملكتين الخائنتين لهذه العدالة محيرة، فمن خلال سيدة الحرائر أسيرة العفريت أيقن شهريار حقيقة الشر الكامن المتأصل في الأنثي. فعاد الملك المهزوم لمملكته وقتل الملكة الخائنة والعبد الأسود مسعود والأربعين عبدا وجارية الماجنين، ثم تملكته شهوة البطش والانتقام وأباد العذاري الأبكار بصفة خاصة بعد زواجه بهن لمدة ثلاث سنوات، خوفا من تكرار فعل الخيانة مرة أخري وتهديد عرش مملكته. وقد تناولت المؤلفة بالتحليل أوجه الترديد والاتفاق والاختلاف بين مشهدي الخيانة في مخدع شاه زمان وفي حديقة قصر شهريار، والأواصر الدرامية الوثيقة الصلة بين مشاهد خيانة الملكتين وبين مشهد خيانة الصبية أسيرة الحرائر مع شهريار وشاه زمان. أي أن الراوي أو رواة «الليالي» المجهولين انتظموا بفطرتهم العلاقات الدرامية الفاعلة من خلال بنية درامية مشوقة، مهدت الطريق كاملا لظهور شخصية بمواصفات شهرزاد المتفردة التي تملك سلاح الأنوثة والذكاء والثقافة والتحدي والحكي والقص، ومن هنا يتجلي الاختلاف التام بين شهرزاد ونموذج الأنثي التقليدي. كما تناولت المؤلفة الخط الدرامي الرابط بين منهج الحكي والقصص الشهرزادي، وبين حكاية الثور والحمار والديك التي رواها الوزير الأب لابنته شهرزاد، في محاولة منه لإثنائها عن قرارهها بالزواج بشهريار والمغامرة بنفسها لعلها تكون فداء لنفسها وبنات المسلمين.
* شهرزاد الحكيم
وقد خصصت المؤلفة الباب الثاني لتحليل مسرحية «شهرزاد» لتوفيق الحكيم التي أثارت الكثير من الجدل بين النقاد، خاصة من ناحية قربها الشديد أو بعدها التام عن قضايا الوطن. وبدأت المؤلفة باستعراض الخلفية التاريخية والاجتماعية والفلسفية، التي واكبت صدور المسرحية علي المستوي المحلي والعالمي. كما أوجزت أهم مفاهيم فلسفة التعادلية التي أنشأها الحكيم، وهو ما انعكس بقوة علي مسرحية «شهرزاد» وتأويلات النقاد لصراعاتها. وتم تناول بعض العناصر المشتركة بين شهرزاد الحكيم وشهرزاد الحكاية الإطار «لألف ليلة وليلة»، رغم تمام اختلاف البنية الدرامية عند الحكيم التي تقوم علي أساس التعادلية ومفردات حضارة مصر الجديدة وفلسفة الحرية لدي إنسان العصر الحديث المرتبطة بالعلم والدين والإيمان. ولأن الحكيم قدم عدة تنويعات علي مفاهيم التعادلية في أعمال عديدة، ظهرت كثير من الخطوط وثيقة الصلة بين مفهوم صراع الإنسان مع الزمان والمكان في مسرحية «شهرزاد» ومسرحيات أخري عديدة للحكيم مثل «أهل الكهف» و«إيزيس» و«بجماليون» و«سليمان الحكيم» و«يا طالع الشجرة». وبعيدا عن صراع الحكيم الفلسفي الغامض ظاهريا الذي يحمل في مكنونه الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية، قدم المؤلف علي أحمد باكثير في مسرحيته «سر شهرزاد» معالجة مختلفة تماما تمنح الاسطورة تبريرات منطقية من وجهة نظره ارتكازا علي ثنائية «الجنس/ السلطة». فبعدما أعلن باكثير عدم اقتناعه بفاعلية وقيمة منهج الحكي والقص وحده في شفاء شهريا ونجاح شهرزاد الساحق بهذه الدرجة، كان لابد أن يضيف إليه أبعاد الفلسفة الإسلامية وروح العلم وهما عماد أعمال باكثير المسرحية كما توضح تحليلات النقاد. وبعيدا عن المسرح اختار طه حسين الوسيط الإبداعي الروائي لاستلهام شخصية شهرزاد بطلة الحكاية الإطار «لألف ليلة وليلة»، وجعل شهرزاد تمتنع عن الحكي والقص بعد انتهاء «الألف ليلة وليلة». ورغم ذلك دأب الملك القلق شهريار علي التوجه لمخدعها خلسة في الليل، ليستمتع عبر أحلامها بحكاية فاتنة بنت الملك طهمان بن زهمان ملك الجان وتحديها بالثقافة والعلم والسحر كل ملوك الجان. وقد أوضحت المؤلفة كيف تم إسقاط الحدود الوهمية بين رباعي الشخصيات في الحكايتين، مما جعل هناك تداخلا أقرب للتوحد بين شخصيتي شهرزاد وفاتنة. وقد استهدفت المعلمتان الوصول بشهريار لمرحلة النضج السياسي، لأنه الآن يريد أن يعرف أسس الحكم العادل، وهي التي تقوم من وجهة نظر طه حسين علي الحرية والديمقراطية والتعليم والحب المقترن بالرغبة. وبحكم انتهاج طه حسين منهج السرد الروائي، فقد أفاض كثيرا في الوصف المسهب لمواصفات الطبيعة الخلابة من ناحية وفي شرح مقاصد شهرزاد خاصة في تحليلها دستور الحكم العادل ومآخذ الحكام والشعوب، حتي بلغ الإسهاب في هذه الشروحات حد المبالغة والمباشرة الشديدة.
* مفردات الحكاية
ورغم الاختلاف الكبير بين كيفية استلهام كل مبدع مفردات الحكاية الإطار «لألف ليلة وليلة»، إلا أن الثلاثة الحكيم وباكثير وطه حسين اتفقوا علي الارتكاز علي شخصية شهرزاد بوصفها الشخصية المحورية المهمة التي تلعب دور نقطة التحول الدرامية في الأحداث وتقلب الثوابت رأسا علي عقب. ودائما شهريار هو الرجل والملك القلق الذي يحتاج لمعونة شهرزاد، أيا كانت مدلولات رموزها المتعددة. فهي عند الحكيم الطبيعة ومكنون الأسرار العليا، وعند باكثير الطبيب الذي ساعد شهريار علي الثقة بقدراته الجنسية فعاد لسابق حكمه العادل في الرعية، وعند طه حسين هي المعلم السياسي الذي يصرح بالحقائق ولا يلمح بها. وقد اعتمد النص الأصلي للحكاية الإطار في «الليالي» علي توظيف شهرزاد منهج فرويد، بإعادة تمثيل المأساة علي مستوي التخييل. وقد انتهج طه حسين في روايته نفس السبيل، وإن كان ليس بنفس متعة وإحكام وتشويق البناء الدرامي في المصدر الأصلي المستلهم. وهذا هو نفس المنهج الذي اتبعه توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير، مع فارق كيفية توظيف وتوقيت إعادة تمثيل المأساة من خلال المسرحية داخل المسرحية علي مستوي التجسيد. وقد وظف الرواة المجهولون «لليالي» فاعلية الحكي والسرد، كمنهج شهرزادي مقصود بهدف كسب الوقت والاستشفاء. بينما تخلي توفيق الحكيم عن هذا المنهج، حيث بدأت أحداثه بعد انتهاء «الألف ليلة وليلة». إلا أن الصراع الدرامي لديه قائم في الأساس علي شفاء شهريار إثر الحكي والقص وتفتح مداركه، لكن شهريار أخطأ عندما اتجه اتجاها مخالفا تماما نحو التمرد علي حدوده البشرية الضيقة واعتمد علي العقل وحده للوصول لسر الطبيعة أو لسر شهرزاد. أما باكثير فقد اعتمد علي نفس منهج الحكي والقص وهو الذي بدأ أحداثه من قبل «ألف ليلة وليلة» بكثير، إلا أنه دعمه بفكر الفلسفة الإسلامية المدعم بالمنهج العلمي الفرويدي كما ذكرت المؤلفة.
تخلص المؤلفة إلي أن كلا من توفيق الحكيم وعلي أحمد باكثير وطه حسين، استلهموا شخصية شهرزاد المحورية وصراع الحكاية الإطار بمعالجة مختلفة كثيرا عن المصدر الأصلي المستلهم وعن بعضهم البعض. وهو ما أعطي هذا البحث أبعادا ثرية في تحليل أعمالهم، والمقارنة بينهم وبين المصدر الأصلي لليالي «ألف ليلة وليلة» الذي سيظل منبعا دراميا رحبا لاستلهام المبدعين في كل العصور.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
2265486 عدد الزوار
791 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2014